بصمات مبدعة.. المخرج العالمي مصطفى العقاد شهيد رسالة الإسلام في وجه التطرف

دمشق-سانا

في مساء يوم الأربعاء 9 تشرين الثاني من سنة 2005 كان المخرج السوري العالمي مصطفى العقاد يقف في بهو فندق بالعاصمة الأردنية عمان مستقبلا ابنته ريما ليحضرا معا حفل زفاف دعيا إليه عندما توقف إرهابي بالقرب منه وفجر نفسه بحزام ناسف فأودى بحياة الأب وابنته معا.

استهداف مخرجنا الراحل من قبل التطرف لم يكن محض الصدفة ولا الأول إذ أنه واجهه لمرات عدة منذ أن سعى قبل رحيله بثلاثين عاما لتقديم فيلمه الأول الرسالة الذي يتناول سيرة النبي محمد عليه الصلاة والسلام.

ولد العقاد في حي الجميلية بمدينة حلب في 14 تموز سنة 1929 لأسرة تؤمن بدور العلم والقيم الدينية في الحياة ووفقا لشقيقيه الدكتورة ليلى وزهير العقاد كان من المتفوقين في حياته الدراسية والتي قضاها بين مدرستي فرير ماريست ومعهد حلب العلمي.

أظهر العقاد شغفا بالسينما في سن مبكرة وغذاه عنده صديق اسمه جون كليديس كان يعمل في صالة سينما الأوبرا حيث كان يصحب مصطفى الصغير ليحضر عروض الأفلام وكان هذا الطفل يتأمل بكثير من الفضول كيف يقوم كليديس بتركيب بكرات الأفلام وقص بعض اشرطتها أحيانا عندما تحوي مشاهد مخلة للآداب قبل أن تعرض على الجمهور.

تعلقه بالسينما جعله يجلب آلة عرض سينمائي للبيت ويشغلها ويعرض عليها أفلاما أجنبية ولاسيما للمخرج البريطاني ألفريد هيتشكوك ثم أخذ يعلن لأسرته ولمحيطه أنه يريد دراسة السينما في أمريكا ليعمل في هوليود مركز صناعة الفن السابع في العالم.

هذا الطموح فاجأ والده وأخذ يحاول إقناعه بالتخلي عنه وأمن له وظيفة في بنك خاص وسمح بأن يمارس ميوله الفنية فأخرج مسرحية بعنوان “شعلة من الصحراء” ولكنه عندما اقتنع بتعلق ابنه بحلمه سمح له بمراسلة جامعات أمريكية للدراسة.

وعندما جاءت الموافقة سافر الأب ومصطفى ابن العشرين عاما إلى بيروت وقبل أن يصعد إلى الطائرة أعطاه مبلغا من المال يعادل 7 آلاف ليرة حينها ووضع في يده نسخة من القرآن الكريم وأخبره أن هذا كل ما يستطيع فعله من أجله.

فيما بعد استذكر العقاد تلك المرحلة فقال عنها “سافرت إلى أمريكا للدراسة وأنا فقير ماديا ولكني كنت غنيا تربويا وأخلاقيا ودينيا جراء تربيتي المنزلية التي كانت أكبر تراث لي”.

درس العقاد الفنون المسرحية في جامعة كاليفورنيا وأخرج فيلمه الأول وكان عن قصر الحمراء في الأندلس ونال عليه الجائزة الأولى من الجامعة وظهر جليا لدى زملائه شخصيته القوية وتواضعه فانتخبوه رئيسا لاتحاد الطلبة الجامعيين الأجانب في الجامعة.

وخلال مرحلة الدراسة اضطر مصطفى للعمل بمهن شتى منها التنظيف في البيوت حتى يستطيع إعالة نفسه ثم انتسب إلى جامعة جنوب كاليفورنيا التي نال منها درجة الماجستير في الإنتاج السينمائي وبذلك امتلك ناصية العلم الأكاديمي وأصبح جاهزا للعمل في صناعة الفن السابع.

خلال فترة دراسة مصطفى تعرف على مخرج أمريكي رفيع المستوى هو سام بيكينبا أعجب بموهبته فعرض عليه العمل معه مستشارا لفيلم عن الثورة الجزائرية ضد الاحتلال الفرنسي ثم عمل مساعد إنتاج في استديوهات شركة ميترو غولدين وانتقل بعدها للعمل في محطة سي بي اس وأنتج أول أعماله “كما يرانا الآخرون” عن المهاجرين المقيمين في أمريكا.

عندما كان العقاد يسعى لإثبات وجوده في صناعة السينما الأمريكية لم ينكر أبدا هويته وانتماءه وحافظ على اسمه وظل يعرف عن نفسه بأنه سوري وعربي ومسلم وهذا ما أكسبه احترام كل من عرفه.

رغبة العقاد بإنتاج فيلم يحكي حقيقة الإسلام للغرب لمسها المقربون منه منذ مرحلة دراسته كما توضح ذلك زوجته الأولى الأمريكية باتريسيا وكان يقول هو عن ذلك “شعرت أنه من واجبي لكوني إنسانا مسلما يعيش في الغرب أن أحكي الحقيقة عن هذا الدين”.

واستغرق مشروع فيلم الرسالة جهدا مضنيا وسنوات طويلة حيث أعطى كتابة السيناريو لأحد المتخصصين بالملاحم التاريخية وهو الايرلندي هاري كريج كما استعان أيضا لكتابة السيناريو بأربعة من كبار الكتاب المصريين.

سعى العقاد لأن يكون فيلمه ناطقا باللغتين العربية والانكليزية ليحقق تأثيرا مزدوجا في الشرق والغرب واستقطب لأجله أهم نجوم الفن أمثال المصريين عبد الله وحمدي غيث والسورية منى واصف والمغربي حسن الجندي والأمريكي أنطوني كوين واليونانية ايرين باباس أما موسيقا الفيلم فأوكلها لمؤلف كبير هو الفرنسي موريس جار.

واستطاع العقاد أن يحصل على موافقة مؤسسات دينية من مصر ولبنان على سيناريو الفيلم ولكن العقبة الكبرى التي واجهته وقوف مشايخ نظام بني سعود ضده معتبرين فيلمه مروقا عن الدين ولم تنجح محاولات العقاد إقناعهم.

ولم يتوقف الأمر عند تحريم الفيلم بل سعى نظام بني سعود لمنع تصويره فضغط بشدة على المغرب الذي كان يستضيف عمليات التصوير فاضطر العقاد أن يترك المدينة التي بناها والتي كانت تشابه مكة وينتقل مع فريق عمله الضخم وتجهيزاته إلى ليبيا حيث منح هنالك دعما كاملا لإنجاز فيلمه.

ورغم كل ما واجهه أخرج العقاد فيلمه الأول الذي يعد من أيقونات السينما العالمية عرض الفيلم في بلدان كثيرة وساهم بتغيير نظرة الكثيرين حول الإسلام كما حقق ربحا ماديا جيدا حتى مع دعوات بني سعود لمقاطعته وكان ذلك محفزا لفيلمه الثاني عمر المختار “أسد الصحراء”.

استعان العقاد مجددا في فيلمه بعدد من الشخصيات التي عملت معه في فيلمه الأول من السيناريست كريج والموسيقي جار والممثلين كوين وباباس إضافة إلى البريطاني أوليفر ريد ليأتي الفيلم في صورة إدانة حقيقية لجرائم الاستعمار بحق الشعب الليبي وتعمد العقاد أن يضع في نهاية الفيلم مشهدا لطفل صغير يحمل نظارات المختار بعد ان أعدمه الاحتلال كرمز إلى أن الأطفال سيحملون رسالة الآباء في المستقبل.

وحتى يؤمن العقاد لنفسه القدرة المادية لإنتاج أفلامه التي تدافع عن العرب والمسلمين أنتج سلسلة أفلام تجارية حققت رواجا وارباحا عالية صدرت ضمن اجزاء في سلسلة هالوين ونظرا لأهميتها تحتفظ مكتبة الكونغرس الأمريكي بنسخة عنها.

كان للعقاد أحلام صرح بها طيلة عقود بإنتاج فيلم عن صلاح الدين الأيوبي لكنه اصطدم دائما بعقبة التمويل إذ لم يرغب منتج أبدا أن يعمل فيلما لمخرج يحاربه نظام بني سعود وظل يسعى حتى أيامه الأخيرة لتحقيقه ولكن وفاته إثر تفجير عمان الإرهابي أوقفت الحلم وأنهت حياة صاحبه.

غير أن ما عاش العقاد واستشهد لأجله لم يمت لأن رسالة الإسلام الحقيقية وجوهرها القائم على السلام والمحبة لا تزال مستمرة تواجه التطرف.

نال العقاد العديد من الأوسمة والتكريمات منها وسام الاستحقاق السوري من الدرجة الممتازة وأوسمة من لبنان والأردن فضلا عن جوائز من منظمات عربية ومسلمة في أمريكا.

وكان من المقرر أن يكرم العقاد في مهرجان دمشق السينمائي الدولي في 20 تشرين الثاني 2005 لكن رحيله جعله يهدي روحه دورته الـ 14 وفي حفل الافتتاح صعدت النجمة منى واصف إلى مسرح قصر المؤتمرات لترثيه وتبكيه وتقول “زفوا العريس زفوا الشهيد”.

 سامر الشغري

انظر ايضاً

بصمات مبدعة… الشاعر الكبير سليمان العيسى هدية سورية لأطفال العرب

دمشق-سانا من بين عشرات الشعراء العرب الذين كتبوا للصغار وملأت قصائدهم صفحات كتبهم المدرسية رسخت …