موسكو وبكين.. العالم يتغيّر

في ختام مباحثات روسية صينية، على هامش ملتقى سان بطرسبرغ الاقتصادي، أكد الرئيسان فلاديمير بوتين وشي جين بينغ أن موسكو وبكين متفقتان على دعم الاتفاق النووي الإيراني وتسوية الأزمة في سورية وشبه الجزيرة الكورية وفنزويلا، وتعتزمان تحويل العلاقات إلى شراكة استراتيجية؛ خبر لا شك له وقعه الصادم على جانبي الأطلسي، الذي يترقّب بحذر التقارب الصيني الروسي، ولاسيما خلال العقد الأخير، كيف لا والعقيدة العسكرية الأمريكية الجديدة، التي خطتها الإدارة الأمريكية الحالية، صنّفت هذين البلدين كأخطر تهديد للولايات المتحدة خلال الفترة القادمة، فكلا القوتان تشكّلان خطراً منفرداً، واتحادهما له تأثير كبير على العالم، وربما سيعد التحوّل الجيوسياسي الأكبر في القرن الحالي.

بيد أن واشنطن لم تدخر جهداً في سبيل ضرب هذا التحالف، بداية من خلال العقوبات الأحادية التي فرضت على روسيا على خلفية الأزمة الأوكرانية عام 2014، وما تلاها من أحداث طرد دبلوماسيين روس واقتحام مقرات دبلوماسية، وليس انتهاءً بالحرب التجارية التي شنها ترامب ضد الصين ومحاولة محاصرتها اقتصادياً بسيل من الرسوم الحمائية، وحرمان شركتها التكنولوجية العملاقة “هواوي” من الاستحواذ على أي حصة من السوق العالمية، وبالطبع فهذه الأفعال تهدف لتكريس حالة من الفوضى وانعدام الوزن في العلاقات الدولية، تضاف إلى ما سبقها مثل انسحاب واشنطن من العديد من الاتفاقات والعقود الموثّقة في مجلس الأمن، مثل “الاتفاق النووي”، والخروج من اتفاقيات اقتصادية وبيئية وسياسية، على غرار اتفاق المناخ ونافتا، وذلك كله بهدف منع وصول أي قوة عالمية لمرحلة منافسة واشنطن ومزاحمتها على القرار الدولي.

ولكن بالرغم من كل ذلك فقد كان واضحاً أن هناك تحالفاً ما بين موسكو وبكين، وإن لم يكن معلناً، على غرار حلف وراسو، إلا أن وقائعه على الأرض أكبر دليل على ولادته كلاعب رئيسي في جميع المسائل الدولية، حيث كانت سورية نقطة الانطلاق، وبالتحديد شباط 2012، عندما أحبط المندوبان الروسي والصيني باستخدامها فيتو مزدوج ضد مشروع قرار تقدّمت به الولايات المتحدة ودول أوروبية والجامعة العربية يدعو إلى التدخل في الشؤون الداخلية لسورية، لتتوالى المواقف والأفعال التي تؤكّد أن هاتين العاصمتين ماضيتان في إعادة الاعتبار للقانون الدولي الذي ضربت به واشنطن وحلفاؤها عرض الحائط، عبر التأكيد أن سيادة الدول وقرارها المستقل هو بيد شعوبها وليس وسيلة بيد أي دولة مهما بلغت من قوة وتسعى لفرض إرادتها عليها لحسابات ومصالح اقتصادية ما، وكان الفيتو الأخير المزدوج ضد شرعنة التدخل الأمريكي في الشؤون الفنزويلية تأكيداً جديداً من بكين وموسكو على شراكتهما الاستراتيجية التي ستغيّر وجه العالم.

وعليه، فنحن أمام مشهدين متغيّرين لم يكن انعقادهما مجرد مصادفة، الأول في سان بطرسبرغ بين بوتين ووشي جين بينغ، والثاني في النورماندي بين ترامب وأتباعه الأوروبيين، ولكنه يؤكّد “أن العالم يتغيّر”، وربما ما تنبأ به المحلل السياسي البريطاني هالفورد ماكيندر في عالم 1904 بـ”أن أي أمة، أو أمم، تستطيع الهيمنة على “الجزيرة العالمية” (أوراسيا وأفريقيا)، ستهيمن على العالم في نهاية المطاف”، وهذا ما يقوله التحالف بين بكين وموسكو، وسنرى النتيجة في وقت منظور.

بقلم سنان حسن

انظر ايضاً

رسائل صاروخ “الدمام”

لم يكن مفاجئاً استهداف الجيش واللجان الشعبية اليمنية مطارات للنظام السعودي تنطلق منه طائرات القتل …