الشريط الأخباري

القسرية والأحادية ليستا قدراً..!!

 لم يكن الانتقاد الروسي للعقوبات القسرية الأميركية الأخيرة وما سبقها مجرد موقف سياسي، بقدر ما تحمل توجهاً لا بدّ أن يؤسس في سياق المقاربة الدولية لما هو أبعد من الموقف السياسي، وإن كان من السابق لأوانه الجزم بالملامح الأساسية لذلك التوجه والإرادة التي تحكمه.

فالعقوبات القسرية ليست قدراً محتوماً، وليست أمراً لا مفر منه، وأن على الدول والشعوب أن تبقى تحت وطأة ساطورها من أجل أن ترضى أميركا، ولا هي فعل ليس هناك خيارات لمواجهته، وخصوصاً أن النتائج المترتبة عليه تدفع باتجاه البحث عن بصيص أمل في آخر النفق على ضوء المقاربات الدولية القادمة، التي جزمت بشكل قطعي على أن القطبية الأميركية الأحادية لم تعد هي المعيار ولا المقياس، حيث برزت إلى العلن الرغبة الواضحة في عالم متعدد الأقطاب، ينهي حقبة الهيمنة الأميركية، أو يخفف من وطأتها في مرحلة أولى..

المواجهة هنا ليست فردية، ولا هي على نطاق إقليمي، بل تتعداه إلى الإطار الدولي، وكل من يفكر بالخروج عن الرغبة الأميركية ومزاج رئيسها، تكون عصا العقوبات حاضرة في سياق الانتقام والتهويل، رغم أنها في أغلب الأحيان لم توصل إلى مكان، بل عززت شعور النفور من الأميركي وسياسته وأصحاب القرار لديه، وهو يتقاطع مع المزاج العام الدولي بأن أميركا باتت تمثل في عالم اليوم أكثر مصادر الخطر المحدقة بالعلاقات الدولية وبالدول فرادى ومجتمعةً.

الإدارة الأميركية لم تكتفِ بما ذهبت إليه من إجراءات سياسية وممارسات عدوانية، بل أضافت لها بعدها القسري والأحادي الجانب، أو العقوبات الاقتصادية كما تروّج لها، وتمعن في الإضافة عليها من هنا وهناك، في مشهد أخرج ما في الجعبة الأميركية من محاولات بدت عاجزة عن الإحاطة السياسية بمحتوياتها والرسائل الخاطئة التي تصرّ على خطّها.

فالأصل في العقوبات أنها وسيلة ضغط سياسي بأساليب أو أدوات اقتصادية، وتضاف معها لغة الابتزاز والمساومة للمبدأ عينه، باعتبارها الجزء الأخطر من جوانب الهيمنة الأميركية، التي تحاول من خلالها تحقيق ما عجزت عنه بالإرهاب والعدوان، أو عبر المرتزقة، أو حروب الوساطة والوكالة، لتكون منظومة الهيمنة الأميركية مشهداً متكاملاً من مشاهد العبور إلى فرض حالة الاستلاب، وتأخير ملامح العالم المتعدد الأقطاب ما استطاعت إلى ذلك سبيلا.

التلاقي الصيني الروسي والتفاهمات الإقليمية والدولية وإصرار البعض على التلاقي رغم الخلافات، يؤشر إلى الرغبة في التخلص من ربق الهيمنة والحدّ من ساطور العقوبات، والانتقال إلى مرحلة تنتفي فيها المخاوف من فائض القوة المرفوع بوجه الجميع، الذي يتفنن الأميركيون في استخدامه والتلويح به، وصولاً إلى ترسيخ التعاطي معه كشرٍّ لا بدّ منه.

عصا العقوبات الأميركية الغليظة تمثل في عالم اليوم جزءاً من إستراتيجيتها، التي لم يعد هناك من هو خارج مظلة استهدافها، وينطبق على القريب قبل البعيد، وعلى الحليف كما ينسحب على الخصم، في منطق أميركي يريد إخضاع العالم بالترهيب، وما عجزت عنه بالعسكرة والسياسة يتولاه الاقتصاد، وما فشلت به عبر العدوان تحاول تعويضه بفائض القوة الاقتصادية والسياسية وما يزيد عنه بفائض الإرهاب، وإن كانت في نهاية المطاف تؤشر إلى إفلاس سياسي وعجز دبلوماسي، يتم التعبير عنه باستطالات مرضية وتورمات في السياسة الأميركية.

بقلم علي قاسم

انظر ايضاً

أحزمة إرهابية و«مناطق آمنة».. ولن يفلحوا بتطويق السوريين

مهما حاول إرهابيو النصرة وتوابعهم في الشمال اتخاذ المدنيين الأبرياء دروعاً بشريه أو منعوهم من …