الشريط الأخباري

اللعبة تغيَّرت.. و”البادئ أظلم”..!!

 لم تعد قواعد اللعبة الإقليمية تصلح لمحاكاة ما يجري، بينما تبدو قواعد الاشتباك الراهنة عاجزةً عن مجاراة ما ترسمه خطوات العجرفة الأميركية، في وقت بدت فيه الانتخابات الإسرائيلية، التي أعادت تعويم نتنياهو بصفقات الغرب والشرق مقدمةً، أو قصفاً تمهيدياً لمعادلات تملي نسف الكثير مما كان قائماً، وتشترط إضافات نوعية انقلابية في المقاربات القادمة.

فالتلميحات الإسرائيلية عن ضم المستوطنات الإسرائيلية لم تكن دعاية انتخابية، بل تدشين يتوّج به نتنياهو قرارات حكومته القادمة، بدليل أنَّ حل الدولتين الذي غاب عن خطاب وزير الخارجية الأميركية اقترن بالتزامن مع ترحيب أميركي حار ومتعمَّد بفوز نتنياهو، يُشتمُّ منه الرغبة في تنفيذ ما تمَّ الاتفاق عليه، لاستكمال خطوات التهويد للقضية الفلسطينية تتويجاً لصفقة القرن، التي يُراد منها أن تكون احتفاليةً، حيث تنهي الإدارة الحالية كل الملفات العالقة لمصلحة إسرائيل، وتبتُّ فيها قبل أن تدخل مرحلة السباق الانتخابي الأميركي.

الخطير في المقاربة الأميركية أنها لا تصغي إلى كل التحذيرات الدولية، ولا تكترث للتهديدات الجدية التي تمثلها قراراتها على الأمن والسلم، وليست بوارد النظر إلا من منظور الأهداف والأطماع الإسرائيلية، حيث لا تكتفي بالمبالغة بما ذهبت إليه من تصرف أرعن بحقوق الآخرين، بل تجاهر في التعبير عن استخفافها بالقانون الدولي والشرعية الدولية، وصولاً إلى تجاهل ردة الفعل على كل ما تمارسه.

وهذا يملي إلى حدٍّ كبير النظر إلى المسألة من زاوية أكثر وضوحاً في قراءة المشهد في المنطقة، باعتبار أن المسألة لا تتوقف على ردة الفعل، ولن تقتصر بأي حال من الأحوال على ذلك، بل ثمة خيارات صريحة برسائل جوابية من خارج المألوف، وهو ما يتطلب توقفاً حقيقياً أمام الاحتمالات التي تقود إلى هذا المنحى.

ورغم استحالة هضم كل ما حصل حتى الآن، فإنَّ خطَّ الفصل بين ما تمارسه إسرائيل، وما تشجع عليه أميركا، يكاد يكون معدوماً، بل التحريض الأميركي يكون في أغلب الأحيان سابقاً للخطوات الإسرائيلية ومتقدماً عليها، وهو ما يؤشر إلى أنَّ الاستخدام الأميركي للرغبات الإسرائيلية ليس مجرد موافقة أو قبول، بقدر ما هو نسق جديد من التهور الذي لا تحكمه سقوف، ولا تحدده خطوط، والذي لن يكتفي بتهويد القضية الفلسطينية، بل يتسع ليشمل كامل المنطقة، لتكون على مزاج المشهد الإسرائيلي ومقتضيات عدوانيته.

وهو ما تتم قراءته في المشهد المقابل على نحو متعمّق، حيث إنَّ الغطرسة الأميركية، التي تشكل رداً على هزائم مشروعها والفشل في تمرير مخططاتها عبر التسلط والهيمنة، تفرض نمطاً جديداً من التعاطي، أقله التغيير في طريقة الرد، وصولاً إلى ما هو أبعد في سياق مواجهة مفتوحة، تتجاوز قواعد الاشتباك وشروط اللعبة، ومن حيث لا يكون الحساب الأميركي، ولا تتوقعه الاستخبارات الإسرائيلية المنشغلة اليوم بخلافاتها على تسويق مشاهد التطبيع.

فالمستهدفون الذين يرفضون القرارات الأميركية لن يكتفوا بلغة الرفض، والذين عبَّروا عن استنكارهم وتنديدهم لن يقتصر ردُّهم على ما مضى، ومن يرصد تفاصيل المشهد فلن يبقى مكتوف اليدين، ومن الطبيعي أن يتخطى كل ما سبق، لأن التهور الأميركي والفحش الإسرائيلي تجاوز كل ما كان معمولاً به، وثمة قواعد اشتباك ترتسم في أفق المنطقة، فاللعبة تغيَّرت، وقواعدها ومعاييرها تبدّلت، وأدوات المواجهة ومساحتها اتّسعت وتعدّدت.. و”البادئ أظلم”.

بقلم: علي قاسم

انظر ايضاً

نواطير الحراسة..!!

لم يكن الحديث الروسي عن نية واشنطن استقدام الشركات الأمنية أو العودة إلى الاستعانة بها، …