في ذكرى اليوم الدولي للغة الأم.. السوريون أول من دون في العالم باثنين وعشرين حرفا أبجديا مسمارياً

دمشق-سانا

اللغة هي أرقى شكل من أشكال التواصل والاتصال بين بني البشر وهي هبة فطرية تكتسب في الوسط المتكلم والكتابة هي الوسيلة الثابتة للتعبير عن الفكرة وقد شكل اختراع الكتابة أهم حدث في النهضة الثقافية بالعالم القديم والتي بدأت مع استخدامها نهاية عصور ما قبل التاريخ وبداية العصر القديم وتوثيق الحدث وتأريخ الوقائع وبفضل الكتابة تم تدوين وحفظ ونقل تراث الحضارة الإنسانية من جيل لآخر ومر تطور الكتابة بمراحل عديدة تمثلت بالصورية  والرمزية والصوتية والمقطعية والأبجدية المسمارية والأبجديات الهجائية.

ويقول المؤرخ الدكتور محمود السيد خبير الآثار السوري وقارئ النقوش الكتابية القديمة في تصريح لـ سانا إن الدراسات اللغوية واللقى الأثرية والنقوش الكتابية المكتشفة في مختلف المواقع الأثرية توثق إسهامات الحضارة السورية ودورها الرئيسي في ظهور نظم الكتابة والحساب وتطورها في العالم وريادة الحضارة السورية في ميدان الكتابة والحساب لم يكن محض صدفة بل هو ثمرة التقدم الحضاري الذي دأب السوريون على إنجازه في العصور السابقة.

وأكد المؤرخ السوري أنه لولا علم التدوين لما حضرت الكلمة على السطور وانتقلت من جوهرها اللامادي إلى المادي المسجل عبر الأمم والشعوب والمجتمعات وحافظت على حضورها كتراث توارثته القرون ليصل إلينا وإلى الأجيال الأخرى والاتصال الكتابي اتبع قواعد التطور الثقافي للمجتمعات ويمكن اعتبار الرسم والتلوين على جدران الكهوف والمغارات أول أشكال الكتابة في التاريخ والمراحل الأولى التي سبقت اختراع نظم الكتابة.

ولفت السيد إلى أن الكتابة مرت بمجموعة من المراحل التي ساعدت في تطور مفهومها ففي سورية ابتكرت للمرة الأولى في العالم قطع حجرية هندسية صنعت من حجر كلسي بهدف العد وتدوين عدد من السلع المتبادلة بعدما أصبح من الصعب الاعتماد على الذاكرة  واكتشفت أقدمها في موقع تل الجرف الأحمر ويبلغ ارتفاعها 7ر1 سم وتؤرخ بالألف التاسع قبل الميلاد ومحفوظة بالمتحف الوطني بدمشق وهي أقدم من القطع الهندسية الصغيرة المصنوعة من الطين المشوي والمكتشفة في عيلام وبلاد الرافدين والمؤرخ أقدمها بالألف السابع قبل الميلاد والتي تجسد حوارا بين شخصين بهدف تدوين عدد السلع المتبادلة بينهما وهذه الرموز تشير إلى الحيوانات والمنتجات الزراعية كالخراف والقمح والزيت.

وانطلاقا من الألف الرابع قبل الميلاد ولتجنب فقدان هذه القطع وتسهيل عملية نقلها وحفظها تم وضعها داخل كرات طينية مجوفة ومغلقة كما صور على سطح هذه الكرات شكل القطع الموجودة في الداخل منعا من التزوير واستخدمت في حساب الضرائب الواجب على المزارعين دفعها للملك.. ونملك في سورية الكثير من هذه النماذج منها كرة طينية ممهورة بختم اكتشفت في موقع تل حبوبة الكبيرة وتؤرخ بنحو 3200 قبل الميلاد.

وأكد الدكتور السيد أنه اكتشف في سورية أقدم دليل في العالم حتى الآن على استخدام أداة تشبه القلم في التدوين والكتابة حيث وجد في موقع تل الجرف الأحمر الأثري على الضفة اليسرى لنهر الفرات لوحات حجرية بازلتية حفر عليها أقدم أنواع الكتابة الصورية في العالم وأقدم دليل على العد والإحصاء في العالم بواسطة أداة تشبه القلم حيث استخدم المدون نحت رأس الثور وكرره عشرات المرات في عملية الحساب ومع العلم أن صورة رأس الثور ترمز في الكثير من الكتابات القديمة إلى حرف الألف كما هو الحال في الكنعانية  والكتابة الصورية البدائية السينائية والكتابة الفينيقية…تنسب اللوحات إلى عصر النيوليت ما قبل الفخاري أو يمكن تأريخها في الفترة الواقعة بين 8700 و 8500 سنة قبل الميلاد وهي محفوظة في المتحف الوطني بدمشق.

 وفي أواخر الألف الرابع قبل الميلاد ظهرت أولى محاولات التدوين على ألواح أو رقم مصنوعة من طين وكانت عبارة عن نصوص حسابية سجلت عليها أعداد رؤوس الماشية وأكياس الطحين وجرار الزيت ومنتجات أخرى.. اكتشف أهم هذه الرقم في جبل عارودة وتل براك وحبوبه الكبيرة.

ثم ظهرت في أوائل الألف الثالث قبل الميلاد الرقم الطينية التي وثقت بواكير محاولات الانتقال من الرمز الصوري إلى التدوين بالرموز المسمارية اكتشف أهمها في موقع تل براك وتل جبل عارودة ومحفوظين في متحف حلب ومتحف دير الزور.

وأشار المؤرخ السوري إلى أنه على أرض سورية المباركة وقعت أقدم اتفاقية سلام في العالم ذات بنود مباشرة ودون مقدمة وخاتمة وصفية تاريخية وذاتية حرمت القتل والاعتداء ودعت إلى السلام وبرهنت على درجة متطورة من الفكر السياسي الدولي اكتشفت في موقع تل مرديخ الأثري مملكة ايبلا شمال غرب سورية ودونت النقوش المسمارية الإبلائية المحلية على رقيم فخاري عثر عليه في غرفة أرشيفات القصر الملكي في مملكة إيبلا وينسب تاريخه إلى القرن الرابع والعشرين قبل الميلاد وبالتحديد 2350 قبل الميلاد.

وتوثق الرسوم الجدارية وقراءة النقوش الكتابية القديمة المكتشفة أن سورية هي أحد أقدم المراكز الحضارية في العالم التي اهتمت  بتدوين التاريخ وتوثيق أحداثه وسبق السوريون في ذلك شعوب المشرق واليونان والرومان ويوثق ذلك تدوين السوريين لأقدم سيرة ملك كاملة في تاريخ الشرق القديم والعالم على تمثال ادريمي ملك ألالاخ ويمثل النقش كتابة أكادية مسمارية دونت بالخط المسماري البابلي الوسيط وتشغل الكتابة معظم واجهة التمثال الأمامية وحتى على لحيته وعلى حافة الخد الأيمن وتتألف من 104 أسطر وهي أول وأقدم سيرة ذاتية كاملة مدونة لملك في تاريخ الشرق القديم والعالم فيها سرد عن حياته وإنجازاته بالتفصيل والتمثال محفوظ حاليا في قسم مكتشفات المشرق القديم في المتحف البريطاني برقم متحفي 130738.

ويبقى أهم ابتكار موسيقي قدمه السوريون إلى الحضارة الإنسانية بحسب الدكتور السيد هو تدوين أقدم نوتة موسيقية كاملة في العالم منقوشة على رقيم فخاري يحتوي أربعة أبيات شعر مدونة بالكتابة المسمارية الحورية يليها ستة أسطر مدونة بالكتابة المسمارية الأكادية فيها أسماء الأبعاد الموسيقية البابلية عثر عليها أثناء حملات التنقيب في خرائب مملكة أوجاريت في محافظة اللاذقية في الفترة الواقعة ما بين 1950 و 1955 وتؤرخ بعصر البرونز الحديث بالقرن الرابع عشر قبل الميلاد.

واعتبر السيد أن اختراع الكتابة المسمارية الأبجدية الأوجاريتية أرخ مرحلة جديدة من مراحل تقدم الحضارة البشرية ونقلة نوعية في رقي الثقافة الإنسانية ووضع اللبنات الأولى في بناء الأبجديات اللاحقة وهي نتاج طبيعي للتطور الفكري واللغوي والكتابي الذي عرفته سورية في العصور السابقة فمع مطلع القرن الثالث عشر قبل الميلاد ابتكر السوريون نظام كتابة مسماريا أكثر انسيابا واختزالا وأسهل بكثير للتعلم والاستخدام من السومرية والأكادية المقطعية بفرعيها البابلي والآشوري وهو نظام الكتابة الأبجدية المسمارية الأوجاريتية وهو أقدم نظام كتابي أبجدي مسماري متكامل في العالم اعتمد بشكل أساسي على البنية السليمة للغة من جهة الحالة الكتابية واستخدام معظم الأصوات التي ينطقها الإنسان وأهم دليل على حدوث تطور كبير في النحو والصرف وقواعد الهجاء والقيم الصوتية.

علماً أن جميع النصوص المدونة بالأحرف الأبجدية المسمارية الأوجاريتية المكتشفة إلى يومنا هذا تؤرخ بالقرن الثالث عشر والثاني عشر قبل الميلاد وهذا ما ينفي اختراع الأبجدية المسمارية الأوجاريتية قبل القرن الثالث عشر قبل الميلاد.

 ونوه السيد بأن نظام الكتابة المسمارية الأبجدية الأوجاريتية يتألف من 30 إشارة أو رمزا مسماريا أبجديا 27 منها ساكن والرموز الثلاثة الباقية صوتية وقد شكلت أبجدية أوجاريت القاعدة الأساسية في ابتكار وظهور الأبجدية الفينيقية التي ابتكرت عام 1000 قبل الميلاد والأبجدية الآرامية والأبجديات الأخرى التي اشتقت من الفينيقية والآرامية كالمؤابية والعمونية واليونانية والنبطية والتدمرية والسريانية والعربية الجنوبية والصفائية والعربية الشمالية.

وأكد الخبير اللغوي أن اسم الأبجدية من وجهة نظر لغوية موثقة “أوجاريت” وليس أوغاريت لأن التلميذ دون الاسم في جميع الرقم الفخارية التي تشير أو تذكر اسم المملكة على الشكل التالي /أو/ج/ر/ت وليس /أو/غ/ر/ت فضلا عن وجود اختلاف كبير في الشكل بين حرف /ج/ و حرف /غ/ كما أن كلمة أوجار تعني حقلا في حين أن كلمة أوغار ليس لها معنى في قاموس اللغة الأوجاريتية وبالتالي يجب تصحيح التسمية القديمة أوغاريت واستبدالها بكلمة “أوجاريت”.

وفي أوجاريت بحسب المؤرخ السيد اكتشفت العديد من النصوص المسمارية التي اختصرت فيها الأبجدية إلى 22 حرفا وكانت كافية لكتابة النص المراد تدوينه وهذا يوثق أن الأبجدية الأوجاريتية هي أم الأبجديات في العالم ففي مملكة أوجاريت اكتشف نص مسماري  مدون بالرموز المسمارية الأبجدية الأوجاريتية استخدم التلميذ في كتابة النص رموز الأبجدية الأوجاريتية المختصرة المؤلفة من 22 إشارة بدلا من استخدام الأبجدية الأوجاريتية الكاملة المؤلفة من 30 حرفا ويمثل وثيقة إدارية لتصدير الزيت والحبوب وهو النص المسماري الوحيد في العالم الذي يكتب من اليمين إلى اليسار كما هو الحال في الفينيقية والعربية في حين أن النصوص المسمارية الأخرى تكتب من اليسار إلى اليمين..يتحدث النص عن إرسال منتجات متنوعة ويؤرخ بالفترة الواقعة ما بين القرن الثاني عشر والثالث عشر قبل الميلاد وهو محفوظ في متحف دمشق الوطني.

وفي سورية دونت للمرة الأولى في العالم بحسب الدكتور السيد الأبجدية المسمارية وفق ترتيب الأبجدية العربية الجنوبية ففي منزل أورتينو في مملكة أوجاريت اكتشف رقيم أبجدي مسماري رتبت حروفه وفق الترتيب الألفبائي العربي الجنوبي ويؤرخ بعصر البرونز الحديث وهو محفوظ بمتحف دمشق الوطني.

وخلص السيد إلى أن عظمة الإنسانية ما كانت لتكون لولا تطور مسيرة الكتابة وقواعد صياغتها وتدوينها وأن السوريين قدموا للإنسانية جمعاء بفضل اختراع نظام الكتابة الأبجدي المسماري الأوجاريتي أدوات التطور ومفاهيمها بدءاً من الروحي وانتهاء بالمادي فهو يمثل المرحلة الأخيرة في تطور أنظمة الكتابة المسمارية نحو التبسيط والاختزال والاختصار وهو النظام الأبجدي الأقدم الذي اهتم بتقسيم الكلمة لمجموعة من الأصوات الساكنة وأصوات العلة وليكتب الإنسان لأول مرة في التاريخ بالحروف الهجائية.

 عماد الدغلي