الشريط الأخباري

فيروزيات وأغاني زمان وقصص الشهداء.. في أجواء قطاف الزيتون بالساحل السوري-فيديو

اللاذقية-سانا

“شاي على الحطب وبطاطا وبندورة وبيض”.. زوادة العم محسن صقر في صباح هذه الأيام لدى ذهابه لقطاف الزيتون مع عائلته وأقاربه والذي ينتهي العمل به حسب قوله مع أواخر الشهر الحالي مضيفاً ليس هناك ألذ من تناول الطعام في الأرض يا بنتي”.

العم محسن الستيني والذي التقيناه في قرية بسنديانة بريف جبلة يستذكر أيام زمان وجمالها أثناء موسم قطاف الزيتون حيث يجتمع الأقارب ويساعدون بعضهم في القطاف كون العمل في قطف الزيتون يتميز بصعوبته وحاجته لكثافة اليد العاملة.

يقول العم محسن “معظم الشباب توجهوا الى جبهات القتال للدفاع عن سورية ولذلك بات موسم القطاف اكثر صعوبة في السنوات الأخيرة وجميع افراد العائلة والأقارب يتشاركون في هذه المهمة بعد ان تناقص عدد ورشات العمل بالأجرة .. فإما لا يوجد عمال أو أن أجرهم أصبح مرتفعاً أكثر من طاقة الفلاح على دفعها”.

وتتميز تربة قرية بسنديانة الجبلية ومعظم القرى التي حولها بكونها حمراء حصوية محمية بالمدرجات التي عمرها أبناء المنطقة وبوجود ينابيع طبيعية وهو ما ساعد على انتشار أشجار الزيتون فيها بكثرة حيث تقدر بثلث المساحات المزروعة فيما يخصص الباقي لزراعة التفاح والعنب والتين والتبغ والخضار.

ومع مذياع معلق على غصن إحدى الأشجار يصدح بأغاني فيروز صباحاً وأغاني زمان ظهراً تتردد أصوات العائلة بشبابها وكبارها أثناء العمل حيث يقول الشاب عبد الحليم سلمان.. “بما أن مدة العمل طويلة منذ طلوع الفجر وحتى مغيب الشمس نحضر المسجلات أو الموبايلات لنستمع للأغاني وخاصة أغاني فيروز ووديع وصباح والأغاني الجبلية المتعلقة بالمنطقة” فيما تشير أخته خلود التي تأخذ إجازة في كل عام من عملها في دمشق لمساعدة أهلها في قطاف الزيتون إلى أن الأحداث الحالية جعلتهم يغيرون الكثير من العادات المتبعة في أجواء القطاف فأضحى الاستماع لنشرات الأخبار على المذياع أساسيا خلال العمل وتضيف “عندما علمنا باستعادة الجيش لمدينة الميادين بدير الزور كنا في الأرض نغني فرحاً ونبارك لبعضنا”.

وتقاطع عمة الشابين جمانة الحديث بعفوية بقولها “زمان كنا نحن نغني وخاصة “الختايرة” ينزلون عالأرض ويجودون بأغان قديمة ومواويل وعتابا.. اليوم صرنا نستخدم التكنولوجيا والموبايلات وأحيانا نغني بأنفسنا أو مع المسجلة”.

ولا بد من حضور ذكرهم في كل حدث.. شهداء سورية ومواقفهم البطولية زينوا أحاديث عوائل الساحل السوري أثناء موسم القطاف.

تقول الخالة أم أحمد والدة شهيد بحرقة الأم الثكلى.. “سابقاً كنا نتحدث عن ذكرياتنا ومواقفنا المضحكة مع أهلنا وفي المدرسة.. اليوم نستذكر أبناءنا وقصص استشهادهم البطولية ونحكي عن طباعهم وتصرفاتهم عندما كانوا بيننا.. آخ يا بنتي بكل حبة زيتون منندهلون ياريت يرجعوا”.. وهو حال الكثير من الأشخاص الذين التقيناهم في تلك القرى ورفضوا التحدث لأن دموعهم على ابنائهم وذويهم الذين استشهدوا سبقتهم عند سوءالنا لهم عن ذكرياتهم مع عوائلهم في مواسم القطاف.

السيدة الأربعينية فاتن ابراهيم التي تربط ثوبها القديم إلى الأمام لتجمع به حبات الزيتون تروي لنا في قريتها “بتمانا” التابعة لريف جبلة أيضاً أجواء الفرح والمحبة التي تجمع أفراد العائلة خلال شهر تشرين الأول لدى موسم القطاف وتتابع بضحكة عفوية “الشباب عم يحمونا ونحنا عم نزرع الأرض”.

ويتوزع العمل بين العائلة فمن أنهكه التعب نتيجة التقدم في السن يجمع الزيتون المتدلي من الشجرة والقريب من الأرض أو المتساقط عليها بينما يقوم الأبناء ولا سيما الشباب منهم بإحاطة الشجرة بالمفروشات المخصصة لها ويتسلقون على الشجرة لفرط الزيتون أو يصعدون على السلالم عند أطراف الشجرة وأحياناً يوعز الأهالي لأطفالهم الصغار بالتقاط حبات الزيتون عن الأرض كون أجسادهم أقدر على الانحناء وثني الركب لالتقاطها.

ويشير الشاب وسيم مهنا إلى صعوبة نقل أكياس الزيتون من الأرض إلى السيارة لتحميلها كون الكثير من الأراضي لا تصل الطرقات المعبدة إليها وبالتالي يضطر هو وإخوته لحمل الأكياس على ظهورهم وأكتافهم مسافة طويلة للوصول إلى الطريق الرئيسي وخاصة كون المنطقة جبلية ويصعدون أحيانا من سفح الجبل أو الوادي إلى أعلى لافتاً إلى أن بلديات القرى تحاول إيجاد حل للمخططات التنظيمية في هذه القرى لكن غالباً ما يعترض ذلك صعوبات إما من قبل بعض الأهالي الذين يرفضون مرور الطريق بأرضهم أو نتيجة عدم استجابة المحافظة أو تباطوء كادر البلدية بالعمل.

ومن أجواء الأرض والقطاف تنتقل العائلة إلى أجواء أخرى في المنزل أثناء “تنقية حبات الزيتون” وغربلتها من الأوراق المتساقطة معها وفرز حبات “الرص” المستخدمة للأكل عن حبات “العصر” المستخدمة لاستخراج الزيت حيث تقول ليندا علي من قرية كفردبيل بريف جبلة رغم التعب بحصاد موسم الزيتون إلا أننا نعيش أجواء حميمية وخاصة في المنزل حيث أجلس مع العائلة بعد العودة من الأرض لتنقية حبات الزيتون ونشرب المتة ونغني ونضحك وأحيانا نقوم بالتقاط الصور .. في كل عام لنا ذكريات خاصة بموسم الزيتون.

وتبين والدتها هدى سلوم أن الحصول على الزيت اليوم بات أقل تعباً وجهداً فمع وجود المعاصر أصبح استخراج الزيت أكثر سهولة وخلال يوم يكون جاهزاً وهو ما يطلق عليه في المنطقة اسم الزيت العادي بينما تتم عملية سلق جزء آخر من الزيتون وتشميسه ومن ثم عصره في المعصرة للحصول على زيت أكثر كثافة وبلون غامق وهو ما يدعى زيت الخريج مبينة أن طريقة صنعه الآن أصبحت أسهل مقارنة بأيام زمان حيث لم تكن توجد معاصر إنما كان يوجد جرن
حجري يسمى ببعض القرى الباطوز يتم دق الزيتون فيه بعد تجفيفه لمدة 10 أيام وهنا يسمى الزيتون المدقوق تمز الزيتون ثم ينقل لوعاء كبير ويتم غليه حتى يطفو الزيت على سطح الماء فيتم قطفه باليد ووضعه في جرة فخار.

وكتقديرات أولية سجل الموسم الحالي في الساحل السوري إنتاجاً جيداً من مادة الزيتون مقارنة بالعام الفائت نتيجة هطول الأمطار في الشتاء الماضي وتوقع عدد من الفلاحين ممن التقتهم مندوبة سانا أن يكون سعر الزيت هذا العام مقبولاً وألا يرتفع عن سعره السابق في عام 2016 نتيجة وفرة حصاد الموسم واستقرار الأسعار نسبياً.

فيما كان وزير التجارة الداخلية وحماية المستهلك عبد الله الغربي أوضح في تصريح لصحيفة الوطن أن الزيادات السعرية في مادة زيت الزيتون تعود لطبيعة المواسم التي تتأثر بها أشجار الزيتون حيث يحدث تفاوت في الإنتاج بين عام وآخر نظراً لهذه الظاهرة وبالتالي تباين معدلات الإنتاج وتوافره في السوق المحلية بالشكل الكافي مبيناً أن الوزارة قد تدرس خيار استيراد كميات محددة من زيت الزيتون لتحقيق التوازن في السوق المحلية بين العرض والطلب وتحقيق استقرار سعري لهذه المادة وأن المؤسسة السورية للتجارة ستعمل على توزيع هذه الكميات عبر صالاتها ومنافذ البيع التابعة لها بحيث تغطي مختلف المناطق.

وبالعودة للعم محسن الذي أخذنا في جولة الى أرضه وأراضي أقاربه يختتم العم حديثه متغنياً بلوحة الحب التي ترسمها الأرض مع أهلها أثناء موسم قطاف الزيتون خاصة لدى مرور العوائل بجانب بعضها وقضاء بعض من الوقت في السلام والاطمئنان عن أخبار بعضهم أو لتبادل الماء والفواكه التي أحضروها من بيوتهم.. وبغصة في الحلق ودمعة في العين يقول العم محسن.. “يا بنتي الزيتون والتين أشجار مباركة وأكيد رح يجمعوا الناس عالمحبة والتعاون”.

ندى عجيب