في صراع المحاور والأيديولوجيات-صحيفة البعث

جملة تطورات حدثت في المشهد السياسي والميداني على الساحة العربية عموماً، وأرض الحجاز على وجه الخصوص خلال الأيام القليلة الماضية، يمكن من خلالها قراءة المشهد وشكل التحالفات التي يحاول آل سعود وباقي ممالك ومشيخات النفط إرساءها في المرحلة المقبلة، أولها إعلان السنغال إرسال 2000 جندي للانضمام إلى التحالف السعودي في العدوان على اليمن، وثانيها طلب حكومة البحاح المقيمة في السعودية من مجلس الأمن التدخل البري العسكري لمواجهة الحراك الشعبي اليمني، وثالثها نزول طائرة ركاب سعودية في مطار “بن غوريون”، تزامناً مع وصول جون كيري إلى السعودية لمناقشة موضوعات لم يعلن عن تفاصيلها.

وفي قراءة أولية لما يطبخ لمنطقتنا بالغرف السوداء في البيت الأبيض وتل أبيب، يمكن القول: إن حكام الخليج لم يعودوا يخجلون من مغازلة الكيان الصهيوني، و”على رؤوس الأشهاد”، وأن القضية الفلسطينية باتت من منسياتهم، والنفط والأموال المودعة في البنوك الأمريكية أصبحت تحت تصرف أوباما وكاميرون وهولاند ثمناً لصفقات الأسلحة التي وقعوها معهم، والمطلوب من الغرب فقط، حسب ما يستجديه أصحاب العروش والكروش، حمايتهم من نقمة الشعوب العربية التي ذاقت الويلات من عبثهم بأمن الأمة.

لقد كان فشل أنظمة الخليج في إسقاط سورية، رغم تجنيدهم عشرات آلاف القتلة المأجورين لتدميرها، وقرب هزيمتهم في اليمن، بعد تنصل الحلفاء من التدخل معهم، سبباً رئيسياً لما نشهده اليوم من حراك سياسي، فبعد أن تيقن المستعمر الغربي أنه لا يمكن التعويل على الأدوات في المنطقة تنفيذ الأجندات المرسومة سارع لإنقاذهم عبر إرسال مرتزقة من السنغال لحماية الحدود السعودية، وحضر هولاند قمة عربان الخليج لطمأنتهم بأنه لن يتخلى عنهم، ووصل كيري إلى السعودية لتقديم لائحة المطالب، والتي يأتي في مقدمتها عرقلة أي حل سياسي في سورية، ومواصلة الحرب العسكرية والإعلامية عليها، وربما لن يطول الوقت حتى تجتمع جامعة الخليج ونبيل “اللا عربي” لإعلان الطلب الرسمي للتدخل الغربي العسكري في اليمن وغيره من الدول العربية التي لا تسير في فلكهم، ما يعني بدء فصل جديد من فصول الحرب على الأمة بمال الخليج.

من هنا يصبح المشهد أكثر وضوحاً من أي وقت مضى، فبعدما ورّط الغرب آل سعود في حروب تدميرية مع الشعوب العربية، يريد اتخاذ دور المنقذ على مسرح الأحداث لإطالة أمد الصراعات العربية-العربية، وتعميق الانقسام واستنزاف الثروات، في صفقات الأسلحة التي تقتل الشعوب بأيدي شذاذ الآفاق حول العالم، وبالتالي فإن الرابح من مجمل ما يجري هو الكيان الصهيوني، الذي يحلم أن تمتد الحروب لعقود من الزمن، وأمريكا، الساعية لإبقاء هيمنتها على العالم ومنع القوى الصاعدة من أخذ أي دور في إعادة التوازن للقرار الدولي.

باختصار ما يجري في منطقتنا ليس فقط صراع محاور، وإنما أيضاً صراع أيديولوجيات بين قوى مناهضة للمشروع الصهيوأمريكي، وأخرى رمت بكل أوراقها للحفاظ على مصالحها، بين قوى مقاومة تسعى لولوج مستقبل أكثر ديمقراطية وعدالة اجتماعية، وبين جماعات تكفيرية ظلامية تريد العودة بالمجتمعات إلى عصور ما قبل التاريخ، وهذا يتطلب من كل الدول المستهدفة اتخاذ مواقف تتناسب والمخاطر المحدقة، والتي يأتي في مقدّمتها الوقوف إلى جانب سورية في الحرب المحقة ضد الإرهاب والرجعية العربية.

المجريات على أرض الواقع تؤشر إلى قرب اندحار المشروع الاستعماري الجديد رغم الدعم الغربي المنقطع النظير، وتجارب التاريخ تؤكد أنه ما من شعب دافع عن قضية محقّة إلا وانتصر، مهما طال الزمن أو قصر.

بقلم: عماد سالم

انظر ايضاً

اقتراع السوريين في الخارج يعرّي المشككين- بقلم سنان حسن

مرة أخرى يترك السوريون في الخارج علامة فارقة في مسار أحداث الحرب التي تشنّها الدول …