في موسم قطاف الزيتون… الألفة والبساطة ممزوجة بالتصميم على إعادة أحياء ما دمرته الحرائق

اللاذقية-سانا

ينتظر السوريون في مثل هذا الوقت من كل عام أولى زخات المطر لبدء موسم قطاف الزيتون بعد إكمال استعداداتهم لجني المحصول وسط أجواء من الألفة والبساطة ورثوها عن آبائهم وأجدادهم لكن التحدي اليوم أكبر بعد الحرائق التي اجتاحت مساحات كبيرة من ريف محافظة اللاذقية وطالت الكثير من الأراضي الزراعية من بينها حقول الزيتون والحمضيات.

معدات قطاف الزيتون من سلالم الخشب والمفارش والأكياس والعصي منها القصيرة لقطف الزيتون القريب والطويلة المرنة لقطاف الحبات التي لا تطالها الأيدي والسرد وهي أداة مصنوعة من الحديد تستخدم لفرز الأوراق والشوائب والأغصان المتكسرة عن حبات الزيتون قبل وضعها في الأكياس و”الزوادة” وهي الطعام الذي تأكله الأسرة أثناء العمل الذي يستمر منذ ساعات الصباح الأولى وحتى غروب الشمس.

أبو أحمد من منطقة وادي قنديل قال في تصريح لمراسلة سانا: “لقد كان ذلك وشيكاً رأينا ألسنة اللهب تتجه نحونا بسرعة هائلة وتعالت أصوات طواقم الإطفاء والسكان الذين بذلوا ما بوسعهم لوقف امتداد النيران لقد كان المشهد مروعاً نشعر بالأسف الشديد للمصاب الذي حل بجيراننا ونحمد الله أننا لم نختبر ألمهم” مشيراً إلى اجتماع أهل القرية والاتفاق على تقديم العون والمساعدة لمن تضررت أراضيهم كل وفق طاقته فهذا من شيم القرى الريفية مساعدة بعضنا الآخر والوقوف جنباً إلى جنب أثناء المحن والشدائد.

وعلى الطرف المقابل من الطريق كان مسعود علي يتفقد أرضه التي أتى الحريق على قسم كبير منها يعاونه أبناؤه للتخلص من الرماد وقص الأغصان المحترقة حيث قال “إنه على الرغم من الضرر الذي لحق بالأشجار إلا أنها ستعاود النمو بإذن الله بعد إجراء عمليات التقليم المناسبة” مشيرا إلى أن إرادة الحياة دائماً هي الأقوى ومهما حصل نحن صامدون كصمود أشجار الزيتون راسخون في أرضنا ومتشبثون بكل ذرة تراب من بلدنا ضد من يضمر الشر لنا مؤكدا أن أحدا لن يتمكن من هزيمتنا فمن استطاع الصمود لأكثر من عشرة أعوام قادر على أن يتغلب على هذه المحنة رغم تبعاتها الكارثية لكن لن نسمح بأن نتحول إلى ورقة ضغط تخدم المصالح الاستعمارية في المنطقة.

يقول السبعيني أبو أحمد الذي يمتلك 20 دونماً من أشجار الزيتون “إن الحقل مصدر رزق له ولعائلته من ناحية تأمين مؤونة الشتاء من الزيت والزيتون وبيع الفائض” مبيناً أن موسم هذا العام سيكون متعباً لقلته مقارنة بالعام الماضي وبسبب عدم هطول الأمطار حتى الآن.

تقول أم عروة الستينية: “إنها لا تزال تحرص على الاستمتاع بأجواء قطاف الزيتون التي تجمع أفراد العائلة من الكبار والصغار والشباب والفتيات والحفاظ على الطقوس التي تحتفظ بها في ذاكرتها منذ الطفولة ومنها الشاي على الحطب ووجبات الطعام البسيطة والأحاديث الطريفة والمسابقات التي ينظمها كبير العائلة ومكافأة من يجمع أكبر عدد من عبوات الزيتون لغرس حب الأرض والعمل في نفوس الأطفال” مبينة أن هموم الحياة وزواج الأبناء أثر على هذه الأجواء التي أصبحت تتلاشى شيئاً فشيئاً وباتت مجرد ذكريات تراودها كلما هل موسم القطاف.

تجلس الجدة سلمى في ظل إحدى أشجار الزيتون وحولها لفيف من أبنائها وأحفادها في استراحة الفطور تروي لهم ذكرياتها عن هذا الموسم بجلساته العائلية وتقاسم الأعمال في محاولة منها لترسيخ هذه العادات بأذهانهم وغرس قيم التعاون والعمل الجماعي والروح الطيبة وتشجيعهم على المواظبة عليها كلما تقدموا في السن وتعليمها للأجيال التي تأتي من بعدهم.

وأضافت: توكل مهمة صعود الأشجار للشباب بينما يتولى الكبار أطراف الأشجار وتقليمها عند الانتهاء ويتراكض الأطفال حول الشجرة لالتقاط الحبات المبعثرة خارج المفارش وتجلس النسوة بالقرب من أكوام الزيتون قبل سردها لاختيار الحبات التي تصلح للتخليل وحناجرهن تصدح بالأغاني التراثية والشعبية.

العم أبو أيمن وزوجته عبرا عن أسفهما الشديد لعدم وفرة الزيتون هذا الموسم حيث تواصلا مع العديد من الأسر الذين اعتادوا جني محاصيل أراضيهم لكنهم آثروا جنيها بأنفسهم للحصول على كفايتهم من الزيت والزيتون في ظل ارتفاع أسعارهما وهو ما يجعل الظروف أصعب.

رشا رسلان

انظر ايضاً

قطاف الزيتون.. فرص عمل موسمية ومصدر للرزق

اللاذقية-سانا العديد من العائلات التي لا تمتلك أراضي خاصة بها تعمل في موسم قطاف الزيتون …