دمشق - سانا
تشكل الأفلام اللبنانية الأربعة المشاركة في الدورة الثالثة من مهرجان "دوكس بوكس 2010" مادة غنية لمحبي السينما التسجيلية ولاسيما انها تحمل خصوصية في التعاطي مع أفكار حياتية مبتكرة مصحوبة بتقنية متطورة في تتبع ومعالجة هذه الأفكار سينمائياً.
وتقدم المخرجة زينة دكاش في فيلمها "12 لبنانياً غاضباً" 78 دقيقة حصيلة تجربة حقيقية دامت خمسة عشر شهراً من التمارين على مسرحية تحمل عنوان الفيلم نفسه للكاتب المسرحي ريغنالد روز تقع في إطار العلاج بالمسرح الذي نفذته المخرجة على أكثر من أربعين سجيناً.
وتتبع عدسة المخرجة دكاش في فيلمها المندرج ضمن المختارات الرسمية للمهرجان مراحل التطور النفسي لتلك الشخصيات من خلال هذه التجربة الفنية التي كشفت ما في داخلهم من حقيقة مغايرة لما هم عليه.
ويمكن للمشاهد أن يلحظ مدى الجهد الذي بذلته دكاش وطاقتها الكبيرة ووعيها الفني والثقافي من خلال قدرتها على شد الانتباه رغم مدة الفيلم الطويلة نسبياً عبر إيقاعية متسارعة للمشاهد وربط محكم لبوح الشخصيات وتنوع في المناخات النفسية.
في حين تقدم المخرجة سارة حيدر في فيلمها "العمة هلا" 14 دقيقة رسالة مليئة بالعفوية والأمل تبرز من خلالها شخصية العمة هالة ذات الاحتياجات الخاصة على أنها جزء من الأيقونة السينمائية للمخرج المبدع الراحل تشارلي شابلن.
واستطاع الفيلم في عرضه الدولي الأول أن يأتي بمشهدية مميزة يتداخل فيها الواقع مع الحلم ليحقق مقولة المخرجة في الفيلم "سعيت لأني أظهر العمة هالة بأبهى صورة لها لأنها أول من علمني فن الممثل".
واستطاعت المخرجة رانيا أسطفان في فيلمها "هوامش الساحات" أن تنتقي بوعي تام نماذج حية من شخصيات تعيش في ساحات بيروت لتصور ردات فعل مختلفة تعليقاً على البطالة والكساد.
وقالت أسطفان في لقاء خاص مع سانا إن هذا الفيلم المدرج ضمن تظاهرة "الطبقة العاملة تذهب إلى الجنة" يخضع لمنطق سينمائي قائم على اللقاء بين الكاميرا والشخصية وذلك بتصوير فج لا يهتم باللعب المونتاجي بل يعتبر ذلك منطقه الجمالي الخاص مضيفة انها حاولت التقاط إحساس ببعض الأشخاص لما يدور في داخلهم كسائقي التاكسي وبقالة وعامل حدادة.
أما فيلم "1958" لمخرجه غسان سلهب فيعتمد على صورة رصينة وهدوء سينمائي شديد في فيلمه الذي يتناول علاقة المخرج مع والدته خلال خمسين عاماً والتطورات التي طرأت على محيطه خلال هذه المدة الطويلة.
ويتكئ سلهب على ثنائية سردية يكون بطلاها هو وأمه في مقابل ثنائية بصرية تمزج بين وثائق تاريخية ولقاءات معاصرة محاولاً من خلال هذه الثنائيتين تكوين بصمة خاصة تشكل مدخلاً للحديث عن التغيرات العميقة التي حفرت في داخله مثلما فعلت في محيطه.
الأفلام البولونية في أيام سينما الواقع صور مبتكرة للحياة اليومية
بدورها تتقاطع الأفلام البولونية المشاركة في الدورة الثالثة من مهرجان أيام الواقع في إعطائها صورة سينمائية مكثفة عن ملامح عديدة من الحياة اليومية للمجتمع البولوني المعاصر والتي يتم التركيز فيها على كوامن إنسانية لأشخاص بولونيين أثناء حياتهم العادية.
ويرصد فيلم المحظوظون لمخرجه توماس فولسكي مجموعة من المفارقات والمصادفات العادية والغريبة أحياناً بين مكاتب تسجيل الولادات والوفيات وعقود الزواج.
ويصور الفيلم الحائز جائزة الجمهور في مهرجان "نيوهورايزن" السينمائي الدولي الحالة الروتينية لدخول المراجعين تلك المكاتب وخروجهم منها في مسعى من المخرج للتأكيد على فكرة أن المصادفة العابرة قد تغير أحياناً مسار حياة أناس بكاملها.
في حين يستكشف فيلم "الأم" الذي تم عرضه سابقاً في الدورة التاسعة والأربعين لمهرجان كراكوف عزلة إحدى الأمهات وحالة الانتظار والترقب المستمرة لمصير ابنها السجين الذي يحوز على جل تفكيرها رغم حالة اللاسكون التي تعيش في ظلالها.
ويركز المخرج جيكوب بياتك في فيلمه "11 دقيقة" على لحظات الصمت الطويلة لتلك الأم مستعيناً بلقطات ثابتة للأم متقصداً إظهار التضاد بين ما تعانيه وبين لا مبالاة من يعيشون حولها.

بينما نتابع في فيلم "مطلوب امرأة" المدرج ضمن تظاهرة "رجال ونساء" حالة نادرة وطريفة لإنسان ثري يبحث عن شريكة جديدة لحياته بعد وفاة زوجته ليقع في مجموعة من المفارقات التي تجعله يعرض عن كل النساء المؤهلات للارتباط به إثر إصراره على أن تكون الإنسانة المنتقاة مطابقة لطباع زوجته الراحلة.
ويلجأ المخرج ميكال مارجاك في فيلمه "15 دقيقة" إلى مناخات بصرية متعددة من خلال تتبع حياة تلك النساء التي تتراوح بين عالم الإبهار في المسرح الراقص الذي تعيشه إحداهن وبين الحياة النموذجية والامتداد العادي لأي إنسان التي تعيشه غيرها.
ويستطلع المخرج مارسين يانوس كرافتشيك في فيلمه "ستة أسابيع" 18 دقيقة النوازع الداخلية لأم ترغب بتطبيق القانون البولوني الذي يعطيها الحق بالتخلي عن وليدها إن كانت لا تستطيع رعايته وتربيته حيث يسمح لها ذلك القانون بمهلة ستة أسابيع حتى تحسم قرارها بشأن الاستقالة القانونية من حقوق الأمومة تجاه طفلها.
ويركز المخرج في فيلمه المدرج ضمن "المختارات الرسمية" من المهرجان على حالة التردد التي تنتاب الأم ولاسيما أنها لا تستطيع التراجع عن قرارها بعد اتخاذه وبهذا فلا نستغرب أن يثبت المخرج عدسته على وجه الأم وهي تتلو رسالة كتبتها مراراً لابنها الذي لن تراه مرة أخرى.
ونعيش مع فيلم "حتى الوجع" 25 دقيقة للمخرج مارسين كوشالكا التطورات النفسية لأم ثمانينية تغالي في حماية ومحبة ابنها الخمسيني بعد أن دخلت امرأة جديدة في حياته.
ويصور المخرج الصراع المرير بين الأم والحبيبة على الابن الطبيب النفسي والذي يعيش مواجع الاثنتين ويتقلب كثيراً بين واجبه تجاه أمه وبين رغبته بأن يعيش حياته كأي إنسان عادي وهذا ما لمسناه عبر حركة الكاميرا في رصد ذلك التوتر.
وضمن تظاهرة "الطبقة العاملة تذهب إلى الجنة" يرافق المخرج والمصور مارسين لاتالو على مدى أكثر من ثلاثة أعوام في فيلمه "شارعنا.. نسخة السينما" عائلة فقيرة تعيش في شارع مقابل معامل النسيج حيث مرت على هذه المعامل أجيال من العائلة تعمل هناك.
ويصور المخرج في فيلمه 80 دقيقة الانهيار الكامل لمعمل النسيج وما طرأ على تلك العائلة من تغيرات مجتمعية وحضارية بكاميرا تتمتع بنفس طويل وذكاء في رصد ملامح الوجوه والتقلبات النفسية للشخصيات بموازاة التحولات الاجتماعية إثر تحول المعمل إلى أكبر مجمع تجاري وترفيهي في أوروبا.
واختار المخرج ماتشيك دريغاس يوم السابع والعشرين من عام 1962 ليكون محوراً لفيلمه "يوم في بولونيا الشعبية" 58 دقيقة يظهر من خلاله يوماً عادياً جداً منذ مطلع الفجر وحتى غروب الشمس جامعاً حكايات ورسائل وصوراً وتقارير وأشخاصاً بعضهم مات والآخر أتى إلى الحياة بحالات إنسانية متعددة.
واستطاع المخرج في فيلمه الحائز على جائزة الذئب الفضي في مهرجان أمستردام التسجيلي الدولي أن يكون أميناً لمبدأ سينما الحقيقة من خلال تركيزه على عفوية الكاميرا وحركتها وطريقة التقاطها لكوادر الحالة التي يريدها.