دمشق-سانا
يأخذنا القاص مفيد عيسى أحمد عبر تسع قصص قصيرة عنونها في مجموعته الجديدة ب (ثلاثة نداءات وتصبح نجمة) إلى مكامن خفية للسرد القصصي المتقن حيث تتناسل الحكايات بإيقاعية متواترة عن شخصيات ينتشلها الكاتب من مشهديتها الريفية إلى الأسطرة مأخوذاً بها كطفل تتنازعه الدهشة بالنبات والحجر والبشر.
ويسعى الكاتب إلى استرداد مذكراته على هيئة حكاية تمزج بين الواقع والمتخيل ولاسيما في قصته أبو ليلى حيث يرسم لنا شخصية قصته الغريبة الأطوار بلغة حميمية تكشف عن عمق نفسي في البساطة التي تجسدها شخصية أبو ليلى .
وينتقل القاص في قصصه إلى مناخات جديدة عبر ما يشبه التصوير الشعري للأحداث ملتزماً بشروط القص الكلاسيكي لكنه يصر ما بين الحبكات الثانوية وحبكات المواجهة على النفاذ إلى عمق الشخصيات التي يتناولها لاسيما في قصته سحر الشجرة الغامضة إذ يصبح تامر العيود رجل النباتات والجهات والترحال رمزاً لسقوط البراءة الريفية في سحر الطبيعة ليصبح شهيدها بعد موته وحيداً في بيته وفي داخله شجرة لا يتعرف عليها مجتمعه الجاهل بهوايته في جمع بذور الأشجار والتعرف على كيميائها .
كما يأخذنا أحمد في قصته مطر أول إلى أخيلة الطفولة حيث تتداخل صورة المرأة الأولى بأحلام الطفل الأول لاسيما في طريقة القص التي يعتمد عليها الكاتب معولاً على ضمير المتكلم ليقترب من عواطف وانفعالات القارئ مشركاً إياه في الأماكن والأزمنة التي تجري فيها أحداث المراهقة فتبدو أقرب إلى مذكرات رجل يبتسم أمام صور طفولته .
ويفاجئنا الكاتب في قصة ثلاثة نداءات وتصبح نجمة بتقنية سينمائية يستخدمها في رواية قصة يمزج فيها بين زمنين مختلفين عبر قصة يوسف الذي يرمز إلى حرية إنسانية فريدة مدللاً على ذلك بنوعين من الخط الطباعي ليفصل بين زمن الذاكرة المنقضي وبين ما يشبه ذكريات الأحلام وفق سرد بصري لغته مشحونة بأفعال متلاحقة تكتنف فنية المونتاج ليصل بنا الكاتب إلى ذروة نفسية معقدة تنتهي بانتحار شخصيته الشاعرية .
ولا يستغني القاص أحمد عن التقاط مقاطع من الواقع عبر قصته حاسر الرأس التي تبدو فيها الصور مادةً غنية للحكي ورفضاً للتماثل بين عالم الجسمانيات وعالم الروحانيات من خلال رفض الامتثال لأحجام الصور وكيفياتها المتشابهة.
كما لا تغيب في هذه المجموعة القصصية هموم الإنسان المنبهر بتصريفات الأقدار والمفارقات التي تنتج عنها من خلال مغامرات طفولية تتضح من خلالها الفروق الواقعية بين عالم الصغار المفعم بالعفوية والخيال وبين عالم الكبار كما في قصة مطار عكرمة الجديد حيث يصر الأطفال على أن الطائرة تمكنت من الطيران رغم ضآلة الاختراع ومحدوديته .
ويتصف أسلوب مفيد عيسى أحمد بحدة اللقطة وقدرتها على توصيف المكان ونزوعها الفني نحو نمذجة الشخصيات بعيداً عن تنميطها وخصوصاً في مقارباتها بين السحري والخرافي والأسطوري مع الحفاظ على أرضية واقعية للسرد المتداخل مع أنا الكاتب وهو القارئ واصلاً بنا إلى ما يشبه الأحجيات الشعرية المكتوبة وفق شروط القص الكلاسيكي .
يذكر أن الكاتب مفيد عيسى أحمد خريج جامعة دمشق كلية الآداب قسم المكتبات 1988 وبدأ بكتابة القصة منذ الثمانينيات بعد أن نشر أولى قصصه عام 1986 وكتب المقالة والانطباع النقدي وله مساهمات مهمة في دوريات محلية وعربية كما شارك بإعداد البرنامج الإذاعي سينما حائز على جائزة العجيلي وجائزة اتحاد الكتاب العرب بطرطوس في القصة القصيرة .
(ثلاثة نداءات وتصبح نجمة ) صادرة عن وزارة الثقافة الهيئة العامة للكتاب 2010 في 127 صفحة من القطع المتوسط .