اللاذقية-سانا
لم يزل العقل النسوي العربي في العصر الحديث قاصراً عن الإبداع الحقيقي الذي يتناسب وشروط الحقبة الزمنية المعاصرة بكافة معطياتها ويعود هذا التأخر في تطور العقل النسوي إلى عوامل عدة يأتي في مقدمتها غياب القانون الطبيعي الذي يشرع للمرأة حرية التعبير وتقرير المصير بعيداً عن الخطاب التاريخي الذكوري الذي ما انفكت تجلياته تتبدل ظاهريا من عصر إلى آخر دون أن يطال هذا التبدل عمق التشريعات الحديثة و خلفياتها الفكرية.
وتؤكد الأديبة كلاديس مطر في كتابها النقدي الصادر حديثا تحت عنوان "تأخير الغروب" أن تطور العقل النسوي يحتاج إلى ثقافة مدنية تقصي التشريع الأخلاقي الحديث الذي يتبنى سياسة المساواة بين الرجل والمرأة بدلاً من التكامل في ما بينهما وهي النظرية التي تسمح بإعادة تأهيل هذا العقل وفق شروط وقوانين تأخذ في اعتبارها السمات
العقلية والروحية للمرأة عموماً والمرأة العربية على وجه الخصوص.
وبالتالي فإن السير في هذا الاتجاه كما تذكر مطر هو السبيل الوحيد للخروج من دائرة البحث بين أدبيات الثقافة المنقولة وهو الفعل الذي تصفه بأنه تشتيت للجهد وتأسيس لمجتمع غير قابل للتطور والأمر ذاته ينطبق على المرأة الغربية التي لم تزل رغم الانفتاح الكبير أمامها والحرية التي تتنعم بها تسبح في الفلك الثقافي الذكوري من حيث قوانين العمل الموحدة ولباس الجنس الواحد دون وعي حقيقي بذاتها فالحل يكمن في مكان مختلف كلياً.
وفي حديث للنشرة الثقافية تحدثت الأديبة مطر عن بحثها الذي يأتي في إطار تسليط الضوء على ثنائية "التقديس والتأثيم" في بنية العقل النسوي العربي حيث يرتبط المفهوم الأول بالرجل والثاني بالمرأة مشيرة إلى أن الكتاب يقدم شرحاً للكيفية التي عزلت بها المرأة على مدى تاريخها الطويل عن شتى مصادر المعرفة نظراً لأن من يتمكن من امتلاك المعرفة فإنه سيمتلك لاحقا مفاتيح القرار وصياغة القانون وحق التصرف.
وفي غياب المعرفة بقي الجنس من التابوهات الأكثر شدة وحدة بالنسبة للمرأة كما نوهت إليه مطر وبقي هذا المفهوم يشكل القاعدة الخفية لكل مخاوفها العميقة والظاهرة و لذلك فإن الثقافة الجنسية المنقولة بشقيها الديني والفلكلوري إلى جانب الزعامة الروحية و القوامة والإمامة والمرجعية التي كانت جميعها حكراً على الرجل قد ساهمت جميعها في وضع شروطها وقوانينها التي دخلت في بنية عقل المرأة و تصورها القاصر عن ذاتها.
وأشارت مطر إلى أن هذا التصور التاريخي الخاطئ جاء نتيجة لتضخيم صورة الرجل على أنه العارف الأوحد والمالك للقرار اجتماعياً وفيزيولوجياً تاركاً حيزاً مائعاً ًلحواء لكي تتحرك ضمنه وهو حيز المرأة المغلوبة على أمرها إلا أن هذا كله لم يكن خطأ ذكورياً ناتجاً عن ميل فطري لقمع المرأة إلا أنه امتثل شأنه شأنها للثقافة المنقولة إليه و لقوة مرجعيتها المقدسة.
كذلك فإن العقل الأنثوي كما تشير إليه الأديبة مطر في كتابها يعاني العديد من المخاوف الأساسية الناتجة عن اتساع أفق المحظورات أمامها وقد تراكمت هذه المخاوف عبر العصور كنتيجة للصدمات الثقافية والروحية التي أثقل بها عقل المرأة العربية والتي عايشت فترات غير مسبوقة من القمع والشدة والتهميش بحيث شكلت هذه الحقب صدمة طويلة الأمد شكلت لديها خوفاً باطنياً ارتبط ببنيتها العقلية بشكل يتناسب مع القواعد والمحرمات الاجتماعية والثقافية من حولها.
وأشارت الكاتبة إلى أن بحثها يركز على الخصائص والتناقضات الحادة في المجتمع العربي والتي حدت من قدرة هذا المجتمع على التعاطي مع مشاكل الواقع بالتحليل والفهم المنهجي للأحداث مستعيضاً عن ذلك باللجوء إلى التفكير العصبي الذي يرى الأمور من خلال حلقات منفصلة لا رابط بينها و لا نتائج تتمخض عن مقدماتها ما يجعله أرضية خصبة تشجع عوارض الصدمة على الحدوث والتجلي في كل وقت.
في الوقت نفسه فإن العنف المشروع طويل الأمد الذي تمت ممارسته على المرأة معنوياً وجسدياً قد عزز من هذه المخاوف والتي لم تزل رواسبها موجودة في قاع العقل النسوي وإن لم تعد اليوم مبرراتها المنطقية ظاهرة كذلك فإن النقص المعرفي لمعنى الحرية في الذاكرة العربية قد عزز بدوره من هذا الخوف المتجذر لتتبدى الحرية دائما للمرأة على أنها خروج عن الراسخ و المستقر والموصى به.
واختتمت مطر حديثها بالإشارة إلى أن المرأة السورية هي من النساء الأكثر تحررا من الناحية الفكرية و الروحية بعد النضال المجتمعي الذي شرعت أمامه الأبواب بدعم من القرار السياسي السوري الذي عمل على تمكين المرأة والحد من تدخل العديد من المرجعيات في بنية المجتمع المحلي ما أعطى له سمته المدنية المؤسساتية وسمح بتكوين عرف اجتماعي وثقافي معتدل ومنفتح انعكست آثاره الإيجابية مباشرة على المرأة السورية.
رنا رفعت