حمص-سانا
تعتبر الأمكنة والمدن حكايا الزمن ولحظات مواقفه ومدونات تراثه التي تصنع بمجملها هذا الشريط البانورامي الطويل الذي نسميه التاريخ والحكاية والرمز التي تعبر عن لحظات ومواقف امتدت وأسماء خلدتها الأمكنة والدلالات.
وتعتبر مدينة حمص مدينة للتاريخ وللدلالات المذكورة ولكل حي من أحيائها وحارة من حاراتها تسميات وحكايات منها ما خلد لعظماء وشخصيات مرت على المدينة ومنها ما أشار إلى أساطير عرفها الناس ومنها ما أحيا شجرة او نباتات برية طبية عرفها ويعرفها الناس إلى الآن.

ويرى الباحث التاريخي فيصل شيخاني أن من أحياء حمص القديمة أو حاراتها كما كان يطلق عامة الناس على الحي حي العصياتي وهي تسمية لحمام وجامع يقعان على مقربة من السور الشرقي للمدينة ما بين باب تدمر وباب الدريب حيث يعود الاسم نسبة إلى عائلة حمصية اشتهرت باسم ابن العصياتي و منهم البدر محمد بن ابراهيم وكان فقيها مفرط الذكاء من طبقة القضاة الاولى كما اشتهر الحفيد محمد بن محمد الذي عرف بالحافظ وولد بحمص عام 843 هجرية 1439ميلادية.
وأضاف شيخاني أما حي أبو الهول فهي تسمية تطلق على الشارع الممتد ما بين السوق المسقوف وبستان الديوان نسبة لمزار فيه ضريح لأبي الهول وهو تابعي كان مولى لبني طريف من كندة وسمي بأبي الهول لشدة سواده وضخامة جسمه وبعد اسلامه ساهم مع قومه في فتوح الشام وكان له دور مهم في فتح قلعة حلب ثم سكن في حمص وتوفي بها ويزار ضريحه حتى الآن.
وأشار شيخاني إلى أن من شوارع حمص القديمة شارع "أبو العوف الواصل مابين شارع القوتلي" السرايا وسوق الخضرة وقد اتخذ اسمه من ضريح في طرفه الشمالي يقال إنه لمحمد بن عوف الطائي وهو من أشهر رواة الحديث وحفظته بالشام في القرن الثالث الهجري وعندما هدمت مديرية الأوقاف المقام لتجديده عام 1994 ظهرت عدة قبور مع شواهد حجرية كتب على أحداها محمد أبو العوف الطائي الميلوي أما حي وادي السايح فهو منخفض يقع شمال حمص القديمة كان يسمى وادي الخالدية لامتداده نحو ضريح خالد بن الوليد وسمي بالسايح نسبة إلى الشيخ محمد السايح الاسكندراني الذي جاء إلى حمص في القرن التاسع عشر ويذكر أنه كان مسيحياً يعيش في الاسكندرية وأمسكه اليهود لذبحه لكنه استطاع الفرار منهم بأعجوبة ثم أسلم وتزهد وساح في البلاد حتى وصل حمص فسكن في بيت على شكل صومعة قرب الوادي حتى وفاته.
وبين شيخاني أن من أشهر شوارع حمص وأكثرها شعبية للنزهة المسائية شارع الدبلان الذي أخذ اسمه من كنية صاحب مقهى اسمه أمين الدبلان الذي أقام مقهاه على الساقية التي كانت تجري مخترقة المنطقة حتى ما بعد منتصف القرن الماضي واشتهرت قهوة الدبلان لتعطي فيما بعد اسمها للشارع المؤدي إليها وهو يمتد من الساعة الجديدة إلى حديقة الدبلان أما جورة الشياح فتعتبر من أحياء المدينة الجديدة وكانت المنطقة عبارة عن منخفض على يسار المتجه شمالاً من باب السوق إلى جامع خالد بن الوليد وكانت مكاناً للمكالس حيث يحرق فيها الحجر ويحول إلى كلس وكان الوقود هو نبات الشيح البري وربما سكن فيها شياح جامع نبات الشيح فدعيت باسمه.
أما جورة الشناوي فهي منطقة سكنية الآن وكانت منخفضاً ما بين القلعة ومقام الخضر حيث كانت تزرع سقياً لوجود نبع ماء صغير فيها أما اسم الشناوي فنسبة إلى شخص من آل السيد سليمان تملك قطعة منها وسكن فيها وهو شناوي من أتباع الطريقة الصوفية الشناوية المتفرعة عن الطريقة الأحمدية.
وأضاف شيخاني أن من أحياء حمص القديمة العدوية حيث تطلق هذه التسمية على جزء من زاوية صوفية تحولت الآن إلى مضافة يقال إنها لإحدى زوجات نور الدين الشهيد وكانت إمرأة صالحة تقية متصوفة وقد أطلق عليها اسم المتصوفة المشهورة رابعة العدوية تشبيهاً بها لزهدها.
وبالنسبة لحي المريجة نسب الى دوره في تجميع البيادر على أرضه في حمص القديمة حيث تكدس الحبوب بعد حصادها لتدرس وتذرى وفي الربيع فينبت الحب المتساقط على الأرض فتتحول المنطقة إلى مرج أخضر ومن هنا جاء اسمها فالمريجة تصغير للمرجة ولذلك كانت مقصدا للمتنزهين في الربيع وتجاور باب الدريب من الجنوب واشتهر فيها الاستعراض الغنائي الشعبي الذي كان يقوم فيه الشباب أثناء النزهة وهو قبة حمام الزيني.
وأطلق على حي الصفصافة القديم هذا الاسم نسبة لوجود شجرة صفصاف كبيرة كانت في ساحة صغيرة تقع جنوب جامع الزعفرانة أما تسمية قصر الشيخ فأطلقت على شارع في حمص القديمة يمتد من شارع ابو الهول حتى الورشة وهي نسبة إلى بيت قصر الشيخ عبد الله الحراكي وهو أول شيوخ زاوية الحراكي القريبة من القصر وكان آخرهم الشيخ ياسين الذي تروى عنه حكايات كثيرة.
وتعد التغرة بحمص منطقة من حي الفاخورة في المدينة القديمة وهي نسبة إلى ثغرة أحدثت في السور الشمالي بعد اهماله وانتهاء دوره الدفاعي للعبور منه إلى خارج المدينة وهي من أولى الثغرات في السور وكان فيها حمام عرف باسم حمام الثغرة بينما كانت طاقة أبو جرس احدى الثغرات في السور الشرقي مابين باب الدريب وباب تدمر وعن سبب التسمية يتناقل سكان المنطقة رواية شعبية تقول إن حيواناً يؤكد البعض أنه كلب في رقبته جرس كان يشاهد ليلاً بالقرب من الطاقة وهناك تلميح إلى أنه من الجان ويقوم بحراسة هذه الثغرة.
ويطلق الحماصنة على حي تحت المادنتين بالعامية الحمصية أو المئذنتين على جزء من شارع الأبرار الذي اكتسب هذا الاسم من مئذنتي جامع الأبرار وجامع الحنابلة ولارتفاع المآذن فقد قيل للمنطقة التي بينهما تحت المئذنتين بينما تسمية ظهر المغارة فتطلق على أحد أحياء حمص القديمة الذي يمتد شمال القلعة ويقال إنها نسبة إلى مغارة القلعة التي تتجه جنوباً.
وأشار شيخاني إلى أن هناك رأيا آخر يقول ان التسمية جاءت من مغارة كبيرة تمتد تحت المنطقة وظهر المغارة أي أعلاها ويمكن أن تكون هذه المغارة التي يؤكد البعض معرفتهم بها إحدى الدياميس أو المقابر البيزنطية وهي كثيرة الوجود بحمص.
وخارج باب تدمر شمال شرق حمص القديمة يقع حي الكثيب وهو مرتفع من الأرض كان يسمى الكثيب الأحمر وقلبت العامة الثاء تاء للتخفيف وقد اتخذ هذا الكثيب كمقبرة للمسلمين منذ الفتح العربي يضم عدداً كبيراً من شهداء الفتح من الصحابة والتابعين ولايزال مقبرة اسلامية حتى الآن أما اسم الناعورة فجاء اسمها من ناعورة كانت ترفع الماء من الساقية المجاهدية إلى الجامع النوري الكبير وكانت بالقرب من باب السوق جانب فرع مصرف سورية المركزي حاليا وكانت الناعورة أقيمت في ربيع الأول 1124هجرية 1712 ميلادية والناعورة اليوم هي اسم لمنطقة من أسواق حمص الجديدة وتعود تسمية حي باب السباع إلى إحدى مناطق حمص القديمة بالقرب من باب دريب والمريجة والعدوية والصفصافة والقلعة وجاءت التسمية من بابها الذي نقش عليه صورة سبعين متقابلين لشعار الظاهر بيبرس الذي يقع في الجنوبي الشرقي من القلعة حيث كانت قوافل الحج تخرج منه.
ويقول الدكتور عبد السلام زيدان رئيس قسم التاريخ بجامعة البعث إنه مع التوسع العمراني والسكاني للمدينة منذ القديم وإلى اليوم ظهرت تسميات لأحياء جديدة تقع خارج المخطط التنظيمي للمدينة القديمة على أطرافها من كافة الجهات ومنها النزهة نسبة إلى هوائها العليل التي كانت تعتبر متنزها للحماصنة ووادي الذهب حيث يعتقد أنه تم اكتشاف قطع ذهبية في الحي وشارع البرازيل نسبة الى سكان الحي المغتربين العائدين من دول الاغتراب وخاصة في البرازيل والأرمن حيث يقطنها بعض العائلات الأرمنية والزهراء تيمناً بفاطمة الزهراء بالإضافة إلى تحول الكثير من الكروم في أطراف المدينة القديمة إلى إحياء سكنية منها كرم اللوز وكرم الزيتون وكرم شمشم نسبة إلى العائلة المالكة وأغرب وأجمل اسم يحمله الشارع الرئيسي في حي عكرمة بحمص حيث يعرفه القاصي والداني بشارع العشاق ملتقى الأحبة قديماً وإلى الآن بينما اسمه الحقيقي أبو جعفر الطوسي.
تقرير: تمام الحسن