دمشق - سانا
يفتح الحديث عن النفس الإنسانية وما يسرها ويحزنها مجالا خصبا للنقاش بين الاختصاصيين النفسيين وبينما تهدف الآراء إلى تحديد وصفات لمواجهة الصعاب وتحقيق الصحة النفسية تجد المفاهيم الخاطئة سبيلها إلى العقول عبر المعتقدات الشعبية الموروثة أو عبر الإعلام والإعلانات التي تهتم بالترويج المادي على حساب التوعية.
وينسب الطب النفسي إلى مجاله الاختصاص بتقديم وصفات الصحة النفسية محاولا مقاومة الأفكار المغلوطة حوله التي تصور العيادة النفسية ملاذا للمجانين وهو اعتقاد ما زال سائدا في بعض الأوساط وقد يقال على سبيل التندر في بعضها الأخر.
في حديث لنشرة سانا الصحية قالت غيداء /33 عاما/ التي ذهبت سابقا إلى إحدى العيادات النفسية بدمشق عانيت لسنوات من قلق مزمن طال حتى أبسط جوانب حياتي وأقلها تعقيدا ولجأت للطبيب خوفا من أن يؤثر قلقي على تعاملي مع أطفالي لكن زوجي اشترط لذهابي ألا يعلم أحد من محيطي بالأمر خشية افتضاح الموضوع فلا أحد من الناس يأخذ هذه المسائل ببساطة.
وتشير غيداء إلى أن محاولاتها إخفاء الأمر تعيق في بعض الأحيان التزامها بزيارة الطبيب أو حتى بالعلاج القائم على تمارين التحكم بالقلق مشيرة إلى إيمانها بأن المثابرة على العلاج سيكون له جدوى كبير بدليل ملاحظتها تحسنا أوليا في طريقة تعاملها مع الأمور.
بدوره يشير محسن الأب لطفل وحيد في العاشرة من عمره إلى اضطراره للجوء إلى الطب النفسي لعلاج ابنه من الخوف الاجتماعي ويقول أن أبدأ الآن أفضل من أن يتأخر التعامل مع المشكلة فالأطباء وجدوا لمساعدتنا والأمر لا يستدعي بالتالي أي كتمان.
وأضاف حذرني كثيرون من اللجوء إلى العيادة النفسية ولما تجاهلت تحذيرهم راحوا يوصونني بتجاهل الاعتماد على الأدوية التي قد يصفها الطبيب لولدي بدعوي أنها ستجعله مدمنا لكني مقتنع بأن حسن استعمال دواء مجرب على مستوى عالمي لا يؤدي إلى مخاطر.
من جهته يلفت الدكتور حسان المالح مؤسس أول عيادة نفسية استشارية في سورية إلى اعتياده على سماع هذه المخاوف مؤكدا أن لا أساس لها من الصحة ومركزا على إبراز طريقته التي تعتمد على الإصغاء الإيجابي التي تجعل المريض يرى الجانب الممتلىء من الكأس.
ويقول المالح في حديثة لنشرة سانا الصحية لابد من التشديد على تسمية /الاستشارية/ في وصف العيادة النفسية فهي التي تميزها عن عيادة الطبيب العصبي /النفسي والطبيب العقلي فالاستشارة جزء من العلاج وأحيانا يمكن الاكتفاء بها لوحدها.
ويضيف على الطبيب عدم الاكتفاء بالإصغاء السلبي دون نقاش بل أن يساعد المريض في توجيه الحديث بشكل فعال دون الوقوف فقط عند كونه ضحية للأخرين ولابد من لفت نظره إلى ما يمكن أن يجعله متفائلا ويرفع معنوياته مع ضرورة تركه يعبر بالطريقة التي يريدها مهما شابها من إنفعالات وهذه الطريقة في تركيز الحديث تساعد على عدم إضاعة وقت الطرفين وبالتالي عدم رفع كلفة الجلسة إلى حد كبير.
وأشار الطبيب إلى أن العلاج يعتمد على تمارين تحكم بالتنفس ودرجات القلق وهناك حالات تحتاج لمضادات اكتئاب وخوف اجتماعي موضحا ضرورة نصح المريض بمواجهة المواقف وتطوير معرفته عن نفسه والأخرين.
ونبه إلى أن الدواء النفسي ليس بعبعا أو مسببا للجنون والمرض النفسي كما يقال خطأ بل هو صديق عزيز لمن يعاني وليست جميع الحالات تتطلب دواء وفي حال وصف الدواء تكون مدة تناوله حسب الحالة أيضا وتتراوح بين بضعة شهور إلى سنتين موضحا أن هناك 140 تشخيصا للاضطرابات النفسية ونحو 70 دواء ليس كلها يسبب الإدمان كما يشاع في مجتمعنا ويبقى حسن الاستخدام خير وسيلة للاستفادة من الدواء.
وعن آلية تأثير الدواء يقول الدكتور المالح يتحكم الدواء بالأمزجة فالدماغ يعمل بآليات كيماوية وكهربائية والأدوية تعدل الاضطراب في الأداء وتنظم عمل الأعصاب كهربائيا وكيماويا إذ هي أنظمة معالجة لا مخدرة ويرتبط التأثير بتاريخ المريض ومدى سرعته في معالجة نفسه فإذا تأخر فالعلاج مديد قطعا أما في الحالات الخفيفة والمتوسطة فيؤخذ العلاج 6 أو9 شهور إلى سنتين وهذه مدد قصيرة بالنسبة لما يستغرقه العلاج من أمراض الضغط والسكري والروماتيزم.
ويشير الدكتور إلى ما يشاع عن الأغذية المحسنة للمزاج لافتا إلى أن تأثير الغذاء ثانوي وأن الإعلانات تمرر الكثير من الشائعات حول تأثير الشوكولا والكحول والسجائر على النفس البشرية في حين أن هذا مجاف للحقيقة.
وشدد على ضرورة الاهتمام بتطوير مجال الطب النفسي والصحة النفسية في سورية والخروج بها من دائرة المغالطات الشائعة في المجتمع وذلك بتطوير الخدمات القائمة والاهتمام بالتدريس الجامعي في هذا المجال.
رزان عمران