ماذا يتبقى لنا إذا كانت أساليب الحياة العصرية تغزو حياتنا، وأجيالنا الجديدة «ترطن» بعبارات مهجنة بين اللغة العربية واللغات الأخرى، ويطعمون كلامهم وأحاديثهم بكلمات أجنبية بدعوى مسايرة تطورات العصر حتى أصبحنا نخاف على أولادنا ان يأتي يوم ينسون فيه لغتهم الأم، ولا يجدون ما يجمعهم سوى البيبسي وبعض ما تعرضه الفضائيات من برامج مستعارة بنسخ معربة؟!.
تحوّل ينذر بالأسوأ نلمسه في تعاملنا اليومي وابتعاد الأجيال الشابة عن استخدام اللغة العربية، وهو سهم بتعلم لغات أخرى قبل ان يتقنوا لغتهم الأم، لأنهم يعتبرون انها تحمل مفردات الحضارة دون ان يعوا ان من لا جذور له لن يفرع في السماء.
سورية كانت المبادرة وطرحت مشروعاً كبيراً للنهوض باللغة العربية على مستوى الدول العربية، لأن المسألة باتت مسألة انتماء وهوية وعمق حضاري ضارب الجذور.. من قال ان تكنولوجيا العصر الحديث لا تتكلم العربية.. بإمكانها ان تتقنها حتى.. . إلا ان ذلك يحتاج إلى اهتمام عربي على أعلى المستويات لإعادة الألق إلى لغتنا الأم لتستعيد مكانتها بين أهم اللغات الحية.
مسألة هوية
المبادرة السورية للنهوض باللغة العربية حظيت باهتمام عربي كبير، عندما طرحت في قمة دمشق ومن بعد الاهتمام والكثير من الاجتماعات مع الشركاء وخبراء المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، خرجت إلينا لجنة تمكين اللغة العربية في الجمهورية العربية السورية بوثيقة لخطط عمل وبرامج توضح آليات تنفيذ هذا المشروع الكبير، وأهم النتائج التي يتوقع ان يخرج بها المشروع..
وتشير وثيقة المشروع التي حصلت «البعث» على نسخة منها على صعيد الاستراتيجيات إلى التركيز على تحديث مناهج تعليم اللغة العربية واستخدام تقانة المعلومات والاتصالات، واعتماد مبدأ التعلم مدى الحياة، وتعريب العلوم والتقانات وتوطينها مع الاهتمام باللغات الأجنبية والاهتمام بالبحوث اللغوية ذات البعد التقني، خاصة مسألة المصطلحات والذخيرة اللغوية والمعاجم وتقييس استعمال اللغة العربية في تقنية المعلومات والاتصالات وتطبيقاتها في اللغة العربية والترجمة الآلية.
وفي آليات التنفيذ تشير وثيقة المشروع إلى ان الوزارات المعنية في الدول العربية تقوم من خلال المجالس الوزارية بوضع السياسات والخطط والإجراءات اللازمة لتنفيذ هذه الاستراتيجيات على ان تحدد النتائج المرجوة لكل برنامج ومراحل تنفيذها والمؤشرات الرقمية لقياس تحقيق النتائج..
أما النتائج التي يسعى المشروع لتحقيقها فتتلخص أهمها في توطين المعرفة بلغة المجتمع وإتاحتها للجميع، وحماية الهوية العربية والثقافة العربية، والحفاظ على مكانة اللغة العربية بين اللغات العالمية الحية وربط مخرجات التعليم العالي والبحث العلمي العربي بالقوى العاملة العربية، وتداول اللغة العربية في الأنشطة الإعلامية والإعلانية والوسائط المتعددة، والمساهمة في التنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وقد وضعت الدول العربية ملاحظاتها على المشروع، واقترحت إضافة برامج جديدة تتعلق بوضع اختبار لقياس التمكين من اللغة العربية على غرار اختبار التوفل باللغة الانكليزية، وإضافة مشروع «مختارات من عيون الأدب العربي وروائعه شعراً ونثراً» للارتقاء بذائقة المتعلمين، ووضع معجم مدرسي موحد، واستصدار قوانين تجعل توصيات مجمع اللغة العربية ملزماً.
النجاح رهن بتوفر الإرادة والمتابعة
وحول هذا المشروع الهام والمراحل التي وصل إليها، يقول الدكتور محمود السيد، عضو مجمع اللغة العربية، رئيس لجنة تمكين اللغة العربية في تصريح خاص «للبعث»: انطلق المشروع من سورية وسط اهتمام رسمي عالي المستوى.. فالسيد الرئيس بشار الأسد أعلن في خطاب القسم، أنه لا بد من إيلاء اللغة العربية اهتماماً كبيراً لأنها ترتبط بتاريخنا وثقافتنا وهويتنا لتعيش معنا في مناهجنا وإعلامنا وتعليمنا كائناً حياً ينمو ويتطور ويزدهر.. وقد وضعت لجنة تمكين اللغة العربية التي شُكلت بالقرار الجمهوري رقم(4) لعام 2007 وترفع تقاريرها إلى الدكتورة نجاح العطار نائب السيد الرئيس للشؤون الثقافية مسودة مشروع النهوض باللغة العربية للتوجه نحو مجتمع المعرفة بناء على توجيه السيدة نائب رئيس الجمهورية للشؤون الثقافية.
ودعت اللجنة بالتنسيق مع المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم إلى عقد اجتماع خبراء لدراسة هذا المشروع، ووضع تصور عن أهدافه ومنطلقاته والبرامج التي يشتمل عليها والنتائج المرجوة منه وآليات التنفيذ، ثم عرضت المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم المشروع على مؤتمر وزراء الثقافة العرب الذي عقد في دمشق، وتمت الموافقة عليه وتقديم الشكر للجمهورية العربية السورية على مبادرتها لإطلاق المشروع، ثم وضعت لجنة التمكين برامج وآليات التنفيذ على مستوى الوطن العربي.
وحول إمكانية تطبيق هذا المشروع للنهوض باللغة العربية والتوجه نحو مجتمع المعرفة على مستوى الوطن العربي، رغم اختلاف وتفاوت مستويات تعليم اللغة العربية والتمكن منها، يشير الدكتور السيد إلى انه عندما تتوفر الإرادة السياسية والقرار السياسي والالتزام بالتنفيذ من الدول الأعضاء كافة، فليس ثمة عقبة يمكن ان تقف في وجه تحقيق هذا المشروع الذي يأتي ضمن المشروعات التي تقوم بها المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم على النطاق القومي، ونأمل ان يشق المشروع طريقه إلى التنفيذ بعد موافقة مؤتمر القمة القادم في الدوحة.
وعن تقييمه لمستوى تعليم اللغة العربية في سورية، يشير الدكتور محمود السيد الذي شغل منصب وزير للتربية إلى ان اللغة العربية في سورية تبقى أفضل من بقية الدول العربية، رغم كل الصيحات التي تنطلق لتشير إلى سوء واقع اللغة العربية، ولكن لا بد من القول: ان سورية رغم حرصها على سيرورة اللغة العربية الفصيحة وانتشارها على الألسنة والأقلام في جميع شؤون الحياة ومرافق المجتمع، فإن الصيرورة التي تنشدها لم تتحقق بالصورة المرغوب فيها والمنشودة، وهذا ما دعا لجنة التمكين للغة العربية التي شكلها السيد الرئيس بشار الأسد بموجب القرار الجمهوري رقم /4/ لعام 2007 إلى ان تضع خطة عمل وطنية لتمكين اللغة العربية والحفاظ عليها والاهتمام بإتقانها والارتقاء بها، وقد قامت لجنة التمكين بوضع خطة عمل وطنية ومتابعة تنفيذ بنود هذه الخطة، وحققت عدة أمور ايجابية من أهمها: إحداث لجان تمكين للغة العربية في الوزارات المعنية (التربية - التعليم - الثقافة - الإعلام - الأوقاف)، كما تم إحداث لجان تمكين للغة العربية في المحافظات، قامت بوضع تسميات عربية مقابل الأسماء الأجنبية على واجهات بعض المحال التجارية والخدمية والإعلانات.. كما تم إعطاء محاضرات في مجال التوعية اللغوية في المراكز الثقافية والمنتديات والجمعيات، إضافة إلى عقد ندوات تلفزيونية لتسليط الأضواء على أهمية اللغة الأم.
ومن الأمور الإيجابية إجراء دورات تدريبية للعاملين في بعض الوزارات والمحافظات لتدريبهم على استعمال اللغة السليمة. وقد قامت وزارة التربية بإصدار تعاميم على المدارس والمعاهد التابعة لها تلزم المعلمين بالتحدث باللغة العربية السليمة والإكثار من الأناشيد والأغاني المؤداة باللغة الفصيحة، وإجراء مسابقات بين الصفوف في المدرسة الواحدة، ومن ثم بين المدارس في المنطقة الواحدة، وبين المحافظات، وتخصيص جوائز لأفضل مدرسة يتحدث طلابها بلغة عربية فصيحة.. أما وزارة التعليم العالي فقد دعت أعضاء الهيئة التدريسية في الجامعات والمعاهد للالتزام باللغة العربية الفصحى في محاضراتهم والحكم على رسائل الماجستير والدكتوراه.. وقامت وزارة الأوقاف بدور مهم أيضاً، حيث ألزمت خطباء المساجد بالتحدث باللغة العربية السليمة، والابتعاد عن العامية أثناء إلقاء خطبهم ودروسهم، وتتابع لجان التمكين في المحافظات تنفيذ بنود خطة العمل الوطنية للتمكين وتجاوز العقبات التي تقف حائلاً أمامها.
غياب القدوة
وعن العوامل التي كانت تقف وراء عدم التمكن من اللغة العربية في سورية، رغم الحرص الشديد عليها، يشير الدكتور محمود السيد إلى عدة عوامل لحظتها خطة العمل الوطنية التي أصدرتها لجنة تمكين اللغة العربية واهمها الواقع اللغوي والعوامل المؤثرة فيه، إن في العملية التعليمية او خارج نطاقها، ومن هذه العوامل قلة الاهتمام بالطفولة المبكرة ولغة الاطفال في هذه المرحلة الحساسة في بناء الناشئة، والخلل في فحوى المناهج والبعد بينها وبين لغة الحياة النابضة الزاخرة، وقلة توافر القدوة الحسنة من المعلمين كافة في التحدث باللغة الفصيحة، وقلة المناشط اللغوية التي يمارسها المتعلمون بالفصحى، والتساهل في استخدام العامية في العملية التعليمية من قبل بعض المعلمين، وضعف اعداد المعلمين وندرة كتب المطالعة الحرة..
و أضاف السيد أنه يوجد هناك عوامل في البيئة الخارجية لا تساعد على تمكين الناشئة من لغتهم الام واهمها عدم توافر القدوة الحسنة في البيت في استخدام العربية والاهتمام بها من الاهل بسبب وجود نسبة من الاميين من جهة، وقلة الوعي اللغوي لدى الاغلبية من جهة اخرى، والاحساس بعقدة التصاغر تجاه اللغات الاجنبية.. فالامهات والآباء في الطبقة الحريرية يكلمون ابناءهم باللغة الاجنبية ويرسلون ابناءهم الى المدارس الخاصة التي تعلم اللغات الاجنبية وتعنى بها اكثر من العربية، اضافة الى سيطرة العامية في البيت والشارع والباحة، وتسمر اطفالنا امام المسلسلات التلفزيونية لساعات وهي تبث بالعامية وقلة البرامج التلفزيونية الموجهة للأطفال بالعربية الفصيحة .
ويعرب الدكتور محمود السيد عن تفاؤله بالمشروع اذا ادت الدول العربية التزاماتها تجاه تنفيذ هذا المشروع، وإذا قامت المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم بمتابعة التنفيذ، مشيراً الى ان نجاح اي عمل انما يرجع الى امرين اثنين، اولهما: ان تبدأ بالعمل وثانيهما: ان تتابع التنفيذ.
فريق عمل عربي متخصص
ويوضح الدكتور لطوف العبد الله، مدير ادارة التربية في المنظمة العربية للتربية والثقافة العلوم ان هناك عدة خطوات تم اتخاذها على طريق تنفيذ هذا المشروع الكبير، لكن لايزال هناك المزيد وقد حددت المنظمة الخطوات المطلوب استكمالها للدخول في مرحلة التنفيذ الفعلي، واستعرض ما تم انجازه خلال الفترة الماضية، مشيراً الى انعقاد اجتماع خبراء في دمشق برعاية الدكتورة نجاح العطار، خلص الى اعداد وثيقة المشروع ووضع آليات التنفيذ والتمويل والجهات المشاركة، ومن ثم قامت الامانة العامة لجامعة الدول العربية بإرسال الوثيقة الى الدول العربية والهيئات المتخصصة لإبداء الملاحظات، وعرضت الوثيقة بعد ذلك على مؤتمر الوزراء المسؤولين عن الشؤون الثقافية في الوطن العربي الذي عقد في دمشق 2008، وتمت الموافقة على مشروع الوثيقة والاستئناس بما تضمنته الخطة القومية للثقافة العربية، وعرضت الوثيقة على المؤتمر العام للمنظمة في دورته التاسعة عشرة الذي عقد في تونس، واعتمدت الوثيقة برمتها مع الملاحظات المرفقة وبعد اعداد الوثيقة بشكلها النهائي، عرضت على المجلس الاقتصادي الاجتماعي للأمانة العامة لجامعة الدول العربية الذي عقد في شباط 2009 في مصر، واتخذ قراراً بعرضها على القمة العربية التي ستعقد في آذار 2009 في الدوحة.. اما المرحلة القادمة فسيتم العمل على تشكيل فريق عربي من المختصين لدراسة اسباب ومسببات تدني مستوى تعليم اللغة العربية، ودعوة الخبراء للاجتماع خلال الربع الاول من العام الحالي.