ذكرت صحيفة البعث في تحقيق عن معاناة الخريجين العاطلين عن العمل فما أن ينهي الطالب دراسته الجامعية حتى يجد نفسه أمام رحلة طويلة من المشقات.. فالشهادة العلمية التي قضى أربع سنوات من عمره للحصول عليها ينقصها الكثير من المهارات والخبرات التي يتطلبها الدخول إلى الحياة العملية، وإذا لم يحالفه الحظ في الانضمام إلى قوافل العاملين في الدولة سيدخل في مرحلة جديدة من البحث عن طرق لاكتساب مهارات جديدة يطلبها أصحاب العمل في القطاع الخاص عبر دورات تخصصية على الكمبيوتر وفي اللغة الأجنبية، خاصة ان فرص التوظيف في القطاع الخاص تشترط خبرات جديدة لم يعهدها الخريجون في حياتهم الجامعية.. هذه المفارقات جعلت العديد من الخريجين يعملون خارج إطار اختصاصاتهم ولا يحصلون على فرصة لاختبار إمكانياتهم او حتى الاستفادة من سنوات دراستهم او المعلومات التي تلقوها خلال الدراسة، فلم يعد من الغريب ان نكتشف ان سائق التكسي الذي يحدثك بعبارات متزنة ومنطق واضح هو خريج جامعي وحاصل على اختصاص علمي مرموق.
مشروع جديد تنفذه وزارة التعليم العالي بالتعاون مع المفوضية الاوروبية، يفترض ان يجعل من هذه المفارقات صفحة من الماضي لأنه يركز على ان تتلاءم البرامج التعليمية التي تقدمها الجامعات الحكومية والخاصة مع احتياجات سوق العمل وعلى المهارات الضرورية التي يحتاجها الخريج الجامعي للدخول إلى غمار الحياة العملية.
أولويات في مطبخ التعليم العالي
ونقلت البعث عن الدكتور غياث بركات، وزير التعليم العالي قوله ان أحد أولويات الوزارة زيادة صلة المناهج الأكاديمية بسوق العمل لكي تتماشى هذه المناهج بشكل أفضل مع متطلبات سوق العمل، وهنا يجب التنسيق إلى حد بعيد مع القطاع المهني والقطاع الخاص والعام وغرف الصناعة والتجارة أيضاً، والعمل على ان يكون الخريجون مهيئين لتلبية المتطلبات الأساسية لسوق العمل، لذلك أعقد عدداً من الندوات التشاركية أثمرت مجموعة مطالب من الصناعيين يعمل على تلبيتها، ويعتبر السيد الوزير ان مجلس التعليم العالي هو مطبخ قطاع التعليم العالي لأن المجلس هو المسؤول عن وضع الأنظمة وتنفيذ الأهداف الاستراتيجية، لذلك أصبح تطويره أولوية وضرورة.
وعن دور وزارة التعليم العالي في برنامج تطوير قطاع التعليم، يؤكد على دعم ومساندة الوزارة لهذا المشروع من خلال لجنة توجيهية أسستها الوزارة مع القائمين على المشروع للإشراف على المشروع في مختلف مراحله والإفادة منه بأقصى قدر ممكن.
وعن ثمار المشروع المتوقعة يشير السيد الوزير إلى ان النظام سيتحسن، وهذا سيعطي القطاع مصداقية أكبر، كما ان النظام الأفضل سينتج طلاباً أفضل ويداً عاملة أفضل على المدى البعيد سيستفيد الجميع من البرنامج، ومن المعلوم ان مثل هذه البرامج لا تؤتي ثمارها بين يوم وليلة لأن العمل في الموارد البشرية يحتاج إلى دورة زمانية أطول، ووزارة التعليم العالي لديها تجارب كثيرة في هذا المجال، ولديها خطط آنية وخطط استراتيجية تعمل في ضوئها لتحسين بيئة التعليم العالي في سورية.
صناع القرار والخيارات
«البعث» التقت القائمين على البرنامج لتستطلع منهم المزيد من التفاصيل... السيد ميشيل كريبيون، رئيس فريق البرنامج يشير إلى ان البرنامج أسسه وفد المفوضية الاوروبية بالتعاون مع الحكومة السورية، وبدأ نشاطه عام 2007 بميزانية تصل إلى عشرة ملايين يورو وبمساهمة سورية، مشيراً إلى ان الحكومة السورية حددت كجزء من خطتها الخمسية الحالية عدداً من الإصلاحات التي تريد تطبيقها ضمن هذا القطاع، وأعد البرنامج لمساعدة الحكومة السورية في تطبيق هذه الإصلاحات والعمل بالتعاون مع وزارة التعليم العالي لوضع إطار يعزز الخطة الاستراتيجية المستقبلية وتحسين إدارة قطاع التعليم العالي خلال 4 سنوات.
أما الهدف الأساسي للبرنامج فهو توفير إطار تأسيسي مع كفاءات متطورة لإدارة قطاع التعليم العالي، ومن خلال تحسين النظام المالي للإدارة سنمنح القطاع مراقبة أفضل للميزانية وأدوات أفضل لوضع الخطط، كما ان تزويد جميع الإدارات بالحواسيب وحفظ الأمور الإدارية ضمن القطاع سيؤمن مدخلاً أسهل إلى المعلومات ويحسن من كفاءة الإدارة.. وأخيراً سنضع قاعدة لنظام يضمن الجودة للجامعات لتصبح معتمدة ضمن القطاع، ويضمن تواصلاً أفضل مع القطاع الاقتصادي من أجل رفع سوية المناهج التعليمية.
وعن مدى استفادة سورية من هذا البرنامج في تحسين جودة التعليم العالي، يضيف السيد كريبيون ان المعلومات التي سيقدمها البرنامج ستمنح صناع القرار إمكانية أكبر لرسم السياسة المناسبة وانتقاء الخيارات التي تتماشى مع الاحتياجات الاقتصادية.. فنوعية التعليم الأفضل تمنح الطلاب خيارات أفضل عند التخرج، وبذلك يصبح هؤلاء هم الأكثر كفاءة لملء الوظائف الشاغرة، وبالتالي إفادة الاقتصاد برمته.
ويركز مشروع تطوير قطاع التعليم العالي على ثلاثة عناصر أساسية:
1- تحسين إدارة قطاع التعليم العالي عن طريق تطوير البنى السياسية والتشريعية التي ترافقها أدوات التخطيط الاستراتيجية متوسطة وبعيدة المدى كخطة الإنفاق الوسطي الذي يؤدي إلى توزيع الميزانية الموجه والذي يستهدف بدوره تحسين الإدارة المالية للقطاع ونظام المعلومات الإدارية الذي سيعمل على توفير البيانات الدقيقة والحديثة لتوجيه التخطيط والإدارة وإحداث الأنظمة على مستوى وزارة التعليم العالي ومستوى المؤسسات.
2- ضمان الجودة والاعتماد، فإصلاح التعليم العالي في سورية يهدف إلى زيادة المنافسة بين الطلاب المتخرجين على المستويات المحلية والاقليمية والعالمية.. ومن أجل ضمان الجودة والاعتماد، فإن الهدف العام للمشروع هو تأسيس لجنة محلية لضمان الجودة والاعتماد، تقوم بتقديم نظام اعتماد محلي وتدعم جامعات القطاع لضمان جودتها بشكل ذاتي، وسيعمل المشروع على تزويد الجامعات العامة والخاصة بمعايير ومؤشرات واضحة لتقييم الكفاءات وتعديلها بما يتوافق مع الأنظمة المحلية الأخرى للتعليم العالي، وجعل فرص الدراسة عبر المؤسسات التعليمية المختلفة واضحة ومتساوية، ومنح وزارة التعليم العالي أدوات التقييم وصنع القرار.
3- تعزيز الكفاءة في الجامعات الحكومية: ان إجراء فحوص شاملة في قطاع التعليم العالي سيمكن المشروع من تقديم تحليل شامل للإصلاحات وإعادة التنظيم وإجراء التحسينات المطلوبة لزيادة الكفاءة ضمن مؤسسات التعليم العالي المحلية، وسيعمل البرنامج على مساندة المؤسسات والهيئات الرائدة لتطوير خططها الاستراتيجية، وابتكار مناهج جديدة وتنفيذها ضمن هذه المؤسسات بمشاركة الشركاء الاقتصاديين لتؤخذ حاجات سوق العمل بعين الاعتبار.
لمن تعطى الصلاحيات؟!
وعن آلية عمل هذا المشروع يشير الدكتور وضاح الخطيب، مدير المشروع انه سيكون هناك قياس كمي ونوعي لقطاع التعليم العالي، لكن هذا يحتاج إلى أدوات ليكون القياس دقيقاً وسريعاً، ونحتاج إلى نظام إدارة معلومات متكامل ليساعدنا في التخطيط الاستراتيجي وتقديم الدعم والمشورة في مجال رفع وتعزيز مفهوم الحوكمة، وهو مفهوم يتناقض مع مركزية العمل والقرار.. فلدينا اليوم مجلسان يبتان في القرارات، مجلس الجامعة ومجلس التعليم العالي، ولكي نعطي الصلاحية للمجالس الأدنى يجب ان نرى ماذا نحتاج لنأخذ قرار الحوكمة ونحدد من يعطى الصلاحية، وكيف تعطى الصلاحية؟!.
ويشير الدكتور الخطيب إلى ان المشروع يركز على عنصر أساسي هو المساعدة في تأسيس المنظومة الوطنية لضمان الجودة والمنظومة الوطنية للاعتمادية.. فنحن غالباً ما نركز على المدخلات التي تقدمها في أية عملية خدماتية أو تعليمية وفي أحيان كثيرة لا يكون هناك دراسة للمخرجات.. فهل مجرد نجاح الطالب خلال السنوات الأربع من دراسته تعتبر كافية ليكون تنافسياً ويطور نفسه ومجتمعه؟!.. هذا هو السؤال وسيجيبنا عنه نظام ضمان الجودة الذي نعمل عليه لنقيس به ليس فقط المدخلات بل والمخرجات ايضاً، حيث ستكون هناك حدود دنيا ومهارات معينة يجب أن يتمتع بها الخريجون ودون ان تعتمد على الفرضيات، بل على القياس وتقييم الأداء ونصل إلى مرحلة يكون فيها للجامعات الحكومية والخاصة نوع من ضبط الجودة الذاتية.. فالجامعات ستكون مسؤولة عن مخرجاتها، وستكون هناك مؤشرات وطنية ومنظومة وطنية لضمان الجودة يشرف عليها مجلس الجودة، وسيطبق على مستوى الكليات والاقسام حتى المدرس نفسه والادارات والدوائر الموجودة ستخضع للتقييم وفق هذه المؤشرات، وفي المرحلة الاولى نتطلع إلى اعتماد الجامعات كمؤسسة والبرامج التي تتبناها، فهناك برامج ستعتمد وأخرى لن تعتمد وفقاً لأولوياتنا ومتطلباتنا الوطنية، وما يهمنا تعزيز جودة التعليم بما ينعكس على الخريجين سواء بسوق العمل المحلي او حتى أسواق العمل القريبة في المنطقة، ويتوقع ان تحسن منظومة الجودة فاعلية أداء قطاع التعليم العالي للموارد البشرية والمالية لنحصل على أداء افضل بكثير.. فهل نحن مقبلون على مرحلة جديدة يكون فيها للخريجين الجامعيين موقع مرموق في اعمال تحترم تحصيلهم العلمي العالي وتحولهم إلىاصحاب أدوار حقيقية في الحياة بدلاً من ان يكونوا مجرد أرقام على جداول الناجحين؟!.